أحمد الرمح
قال لي: كيف أصلي حتى أرضي ربي؟ احترتُ ما بين آراء المذاهب؛ وخلافاتِ الفقهاء؛ وما يقوله القرآنيون؛ وبين السنة والشيعة؟ قل لي كيف أصلي؟
قلت له:
• عندما تكون ودوداً مع الحجر والشجر والطير والحيوانات والبشر، أنت في حضرة الله مصلياً.
• ولما تمتنع عن إيذاء خلق الله؛ ولو بالكلمة، انت في محرابِ الله مصلياً.
• وعندما تصل رَحِمَك، وتبرُّ والديك فأنت عند الله مصلياً.
• وعندما تكون عاملَ أمان في كل مكان تحضره؛ فأنت تصلي.
• ولما تجعلْ جبرَ خواطر المساكين والمستضعفين واليتامى قبلتَك؛ فتلك أعظم الصلوات.
• وعندما تربي أولادك على الأخلاق الإنسانية مع كل خلق الله؛ أنت في صلاةٍ دائمة.
• وعندما ترفض جعلَ الطائفية والعرقية مانعاً لتواصلك مع خلق الله؛ فأنت مصلي.
• وعندما تقف مع المظلوم؛ أنت في محراب الله العظيم مصلياً.
• وعندما تنطق بكلمة حق؛ فأنت تقرأ التوراة والإنجيل والقرآن معاً.
• وعندما تنير الظلمات بالمعرفة؛ أنت للمتقين إماماً بالصلاة.
• فالصلاة هي الاصلاح بين الناس لقوله تعالى (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) وهذه روح الصلاة.
فالصلاة ليست حركاتٍ وهيئات وتمتمات فقط، الصلاة صلة مع الله؛ تصل بها إلى خلق الله. فإن لم تفعل ما سبق؛ فما حاجةُ الله لصلاتك؟ وإنْ لم تشعر بلقاء الله بالصلاة! أنت لم تصلِ! إنّ الله لا يحتاج إلى كنائس وبِيَع ومساجد! تقف فيها مصلياً! فالكون كله معبد لله؛ ولا يريد أجساداً تركع؛ وقلوباً لا تخشع.
ألم تقرأ قول المسيح عليه السلام في القرآن: (وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا).
• (وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ) أي اتصالٌ دائم بالله من خلال التفكر بآلاء الله. والاتصال مع خلق الله بالأعمال الطيبة. وليست الحركات الشعائرية.
• و(وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا) الإحسان إلى مخلوقات الله!
فالزكاة ليست المبلغ المادي الذي تخرجه من مالك! كما ادعى الفقهاء! إنما كل سلوك إنساني تجاه مخلوقات الله؛ لذلك لما يطلب الشخص الشامي المساعدة من شخص آخر؛ يقول بلهجته: (زكاتك ناولني).
أما الصدقة فهي المبلغ المقرر من مالك؛ واقرأ قوله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ). وانتبه إلى كلمة فريضة في الآية؛ لتلاحظ كم زيفوا في الدين ما بين الزكاة والصدقة!
فإنْ كنتَ إنساناً أخلاقياً؛ مهما كانت ديانَتُك؛ أو طائفتك؛ وتؤدي أفعال الخير التي ذكرناها آنفاً؛ فأنت تصلي. ولا شيء يفسد الصلاةَ والإيمانَ مثل الحقد والحسد والكراهية والفتنة والتكفير والدماء. وأعلم أنه لا يوجد أديان! إنما هو إله واحد؛ وله دين واحد؛ ولكن هناك رسالات يكمل بعضها بعضاً؛ فالدين بُني على ثلاث؛ لا على خمس كما في الدين الموازي. بُني على:
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ.
1ـ الإيمان بالله. 2ـ باليوم الآخر. 3ـ العمل الصالح.
هذا هو الإيمان؛ الذي يتشارك به كل المؤمنين؛ من كل الملل والنحل؛ وهؤلاء هم الناجون يوم القيامة؛ ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
للأسف الشديد أن بعض المسلمين لا يفهمون من الصلاة التي وردت في العديد من الآيات إلا حركاتها وتمتماتها الشكلية! وأنها وسيلة لتبييض أخطاءهم وخطيئاتهم؛ ولا يهمهم سوى الصلاة الحركية والصيام والزكاة في معانيها الظاهرة إلى جانب اشكال وأنماط من التدين وألبسة معينة.
يقول الفيلسوف “اسبينوزا” في كتاب (علم الأخلاق): لا تكمن العبادة بكثرة الكلمات؛ بل في أنْ تنظر في الوجود، بعقل لا يخاف التأمل….وكلما ازداد العقل فهماً ازداد حباً لله.
ويقول سقراط العظيم: “الإنسانية ليست دين، بل مرتبة يصل لها بعض البشر”.
واعلم أنّ هناك نوعين من الصلاة:
• صلاة عمودية بيننا وبين الله عن طريق الدعاء والمناجاة وقراءة كتاب الله وتدبر آياته، أما إقامة الصلاة فهي تفعيل لآيات الله وتطبيقها في كل أفعالنا وأقوالنا؛ وبهذا تكون هذه الصلاة بحق تنهى عن الفحشاء والمنكر وليست الصلاة الحركية! ولا شيء يفسد الصلاة كالحقد والانتقام والثأر؛ فإذا ظلمتَ من ظلمك؛ فأنت مثله.
• وصلاة أفقية وهي صِلة بيننا وبين الناس عامة؛ والمقربين خاصة؛ والتي تسمى قرآنياً بالصلاة الوسطى. ونصحنا بالمحافظة عليها لأن فيها سلامة وقوة الفرد والمجتمع.
هكذا صلِّ يا صاحبي؛ وأنا على يقين أنك ستنجو في الدنيا والآخر. والله أعلم
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




