القابلية لخداع الذات أو التحايل الذاتي

تكبير الصورة

أ. د. سربست نبي

القابلية لإقناع الذات وخداعها إزاء الواقع، هو استعداد وسلوك نفسي مشترك ينشأ لدى الجماعات والأفراد، الذين بلغوا درجة من العجز المطلق إزاء فهم واقعهم وتفسيره بعد أن فُرض عليهم قسراً، واستسلموا فعلياً له. ورغم ذلك يلجؤون إلى ميكانيزمات لخداع الذات والتحايل عليها عبر إسباغ معنى أو دلالة معاكسة لهذا الواقع كما هو بالفعل. فالأمم تخدع نفسها كالأفراد، ولديها قابلية مشتركة في التنصل من مواجهة واقعها ومنحه تفسير زائف كي لاتواجه التغيير واستحقاقاته.

وعادة ما تنشأ هذه القابلية وتنتعش عند الجماعات العقائدية أو الدوغمائية، المنفصلة عن واقعها والمتماهية بصورة شبه مطلقة مع عقيدتها المقدسة، التي تمنعها من التعاطي مع الوقائع والمتغيرات بعقلية نقدية منفتحة. لهذا عندما تصطدم هذه الجماعات مع المعطيات الجديدة، غير المألوفة وغير المتوقعة، التي تتعارض مع يقينياتها ومصالحها تعمد إلى إيهام الذات بالمبررات المختلقة وتميل إلى التسليم بأن الحقيقة لا تكمن في الوقائع العملية الصارخة والمتغيرات، التي تحدث أمامها وفي محيطها، وإنما تنبثق من الأوهام الذاتية- الأيديولوجية المعششة في رأسها، ولاينالها الشك، ولا ترغب في مراجعتها أو التخلي عنها.

مساحة إعلانية

تصميم وتطوير مواقع احترافية

نطور موقعك الإلكتروني بأعلى كفاءة، مع استشارات ممتازة لاختيار أفضل استضافة لعملك.

وفي هذه الحالة غالباً ما تلجأ الجماعات الدينية إلى عزاء الذات كي تبرر بها المصائب او الانتكاسات، التي تواجهها في الحياة، وتعتقد بأنها لاتحتاج للتصدي لها، لأن حكمة سماوية متعالية تقبع خلفها لاختبار إيمانها ويقينها، عوضاً عن البحث عن أسبابها الجذرية على الأرض. بينما تكون لدى الجماعات السياسية المتأدلجة والدوغماتية استعداد أشدّ لخداع الذات عند مواجهة التحديات والخسائر أو الهزائم. فهي عوضاً عن التشكيك ونقد المنهج والتفكير السياسيين، اللذين سارت عليه طوال الوقت وآمنت به، تنفصل عن واقعها وتتحايل عليه عبر إسباغ وهم زائف عليه أو تمنحه دلالة منحرفة تنسجم مع يقينياتها الأيديولوجية وتستجيب لاعتقادها الذاتي بالجماعة أو ثقتها بالعقيدة التي آمنت بها.

تتماثل بنية هذه الذهنية وتتماه مع ذهنية العبيد، التي أقنعت حامليها، طوال قرون طويلة، بأن العبودية هو المصير النهائي الأمثل لهم، لهذا لا جدوى من التفكير في خيارات خارج هذا المصير، وفي أحسن الأحوال عوضاً عن التفكير في تغييره يمكن اللجوء إلى منحه دلالة إيجابية زائفة وإضافة معنى غير حقيقي.

هذا النزوع الخانع والمنقاد للمصير الحتمي ليس السمة الوحيدة المشتركة بين ذهنية العبيد والقابلية لخداع الذات أو التحايل الذاتي، فهذا الأخير هو يتسم كذلك بأنه نمط تفكير يطبعه الجبن والتخاذل، فلايتجرأ على مواجهة قسوة حقائق الواقع وحدّتها، لأن القناعات التي يحملها أو آمن بها وورثها، كيقينيات مقدسة ستتداعى حالئذ وتنهار أمام حقائق الواقع الجديدة، وهذه البانوراما المصيرية تمثّل رعباً حقيقياً له لايتمنى أو يرغب في مواجهتها. ومن هنا نفهم لماذا تنعدم القدرة على الشك لدى أصحاب العقائد الأيديولوجية ويتحدون جميعاً في جبهة متراصة ومتماسكة ضد العقل النقدي في تحدّ وجودي لنمط تفكيرهم.

خلاصة القول، تنمو هذه القابلية في خداع الذات وتنتعش عادة لدى الشعوب المنكسرة، التي واجهت وتواجه خيبات الهزائم والفوات التاريخية، وللخلاص من نتائج تلك الهزائم وقسوة عواقبها تعمد إلى إيهام الذات وخداعها كي تبرر به استسلامها لمصيرها المأساوي. إنها بذلك تؤكد عجزها عن تخطي أو تجاوز واقعها وتسوغها إذعانها لمصيرها.

وفي الوقت نفسه تعاند المفارقة الناشئة عن فشل عقائدها في مواكبة منطق التاريخ وتقدمه، وتكابر في الإقرار بأن تلك اليقينيات أو الأوهام الأيديولوجية لم تعدّ صالحة تاريخياً وقد تخطاها الواقع تماماً. ومن هذا المنطلق لايمكن إقناع أحد المتطرفين الجهاديين هنا بالتخلي عن شعاره بأن( دولته باقية وتتمدد) كما كان من العبث محاولة إقناع قومي عربي بأن حروبه مع إسرائيل عامي ( ١٩٤٨/ ١٩٦٧) لم تكونا مجرد نكبة أو انتكاسة، كما أراد أن ينعتهما وأوهم نفسه بذلك طوال الوقت. واليوم من الصعوبة بمكان اقناع أتباع زعيم العمال الكردستاني، بأن الاتفاق الذي أقدم عليه قائدهم، باسم تضحياتهم وحزبهم، مع سلطة رجب طيب أردوغان، هو تشريع للهزيمة والاستسلام المذل. فهذا الإقرار يضعهم في مواجهة قسوة المفارقة الناشئة عن كلّفة التضحيات الهائلة والأحلام القومية، التي تفانوا لأجلها بكل إخلاص، مع المآلات السياسية والنتائج المخيبة، التي يتعين عليهم التسليم بها تدليساً واعتبارها نصراً مظفراً.

المشهد المأسوي المحبط يتمثل هنا في أن أحلام عشرات الآلاف من الشهداء، طوال نصف قرن من الكفاح المضني، تتحول أمام أعينهم، وهم شهود عاجزون، إلى مجرد حواشي شاردة وتائهة، مهانة ومدانة، على متن صفقة مذلّة أعدّها قاتلهم. من هنا يجد نفسه مضطراً، أمام قسوة هذا المشهد، إلى التحايل على الذات ويقتنع مكرهاً بأنه مشروع( قانون حقيقي للسلام) وليس الاستسلام كما هو بالفعل. إنه على يقين بأن هذا القانون في جوهره الحقيقي يهدف إلى استسلام الأمة الكردية برمتها لإرادة السلطة الطورانية- الفاشية وتصفيتها، لا مجرد حزب تمرد على سلطة عنصرية.

× Zoomed Image
Scroll to Top