دانية الشماس
لم تعد السياسة الحديثة تُمارس فقط تحت قبة البرلمان، أو في قاعات الاجتماعات المغلقة، أو عبر الخطب التي تنقلها شاشات التلفزيون. فقد انتقلت واحدة من أهم ساحات التأثير السياسي إلى مكان أقرب إلى المواطن من أي وقت مضى: هاتفه الشخصي.
اليوم، قد يبدأ نقاش سياسي كامل من منشور لا يتجاوز بضعة أسطر، وقد يغيّر مقطع قصير صورة مسؤول لدى الجمهور، بينما تستطيع حملة رقمية منظمة أن تدفع قضية معينة إلى واجهة المشهد خلال ساعات.
لكن خلف هذا التحول سؤال يستحق التوقف عنده:
من يصنع الرسالة التي تصل إلى المواطن؟
لم يعد السياسي بالضرورة هو الشخص الذي يظهر أمام الكاميرا ويتحدث مباشرة إلى الجمهور. خلف كثير من الرسائل السياسية تعمل فرق من المستشارين والإعلاميين والمتخصصين في الاتصال الرقمي، يدرسون طبيعة الجمهور، وتوقيت النشر، واختيار الكلمات والصور، وطريقة تقديم الرسالة بما يضمن أكبر قدر من التفاعل.
وهكذا أصبح للمشهد السياسي وجهان؛ وجه نراه أمامنا، ووجه آخر يعمل خلف الشاشات.
من المنبر إلى الهاتف
في الماضي، كان وصول السياسي إلى الجمهور يعتمد بدرجة كبيرة على الصحف والتلفزيون والمؤتمرات الجماهيرية. أما اليوم، فقد أصبح الهاتف المحمول منصة سياسية مفتوحة على مدار الساعة.
المواطن لم يعد مضطرًا إلى البحث عن الخبر؛ فالخبر يأتي إليه.
تظهر أمامه العناوين والمقاطع والتعليقات والتحليلات بصورة متواصلة، وتساهم خوارزميات المنصات في تحديد جزء مما يراه ويتابعه.
ومع تكرار الرسالة، قد تتحول قضية صغيرة إلى موضوع يتصدر النقاش العام، وقد يصبح ما كان مجرد منشور على وسائل التواصل حديث الشارع.
عندما تصبح الصورة أقوى من الحقيقة
في السياسة، لا تكفي المعلومة وحدها، بل أصبحت طريقة تقديمها جزءًا من قوتها.
صورة واحدة قد تثير الغضب، ومقطع مجتزأ قد يعطي انطباعًا مختلفًا عن التصريح الكامل، وعنوان مثير قد ينتشر آلاف المرات قبل أن يتوقف أحد للتأكد من التفاصيل.
وهنا تكمن إحدى أخطر تحديات السياسة الرقمية: سرعة انتشار المعلومة أصبحت أحيانًا أكبر من سرعة التحقق منها.
لذلك لم تعد المعركة السياسية تدور فقط حول ما يحدث، بل حول كيف يرى الجمهور ما يحدث.
السياسي الغائب… حاضر في كل مكان
المفارقة أن الشخص الأكثر تأثيرًا في صناعة الرسالة السياسية قد لا يظهر على الشاشة أصلًا.
قد يكون مستشارًا، أو خبيرًا في الإعلام الرقمي، أو فريقًا كاملًا يعمل على إدارة المحتوى والحملات الإلكترونية، من اختيار الكلمات إلى تحديد توقيت النشر.
وهذا لا يعني بالضرورة وجود جهة سرية تتحكم بكل شيء، لكنه يعكس حقيقة جديدة: السياسة أصبحت تعتمد بشكل متزايد على صناعة الصورة وإدارة الانتباه.
ففي عالم المنافسة الرقمية، قد يكون الوصول إلى الجمهور في اللحظة المناسبة أكثر أهمية من امتلاك خطاب طويل.
هل تغير الناخب؟
الناخب اليوم لا يصل إلى يوم التصويت بعقل خالٍ من التأثيرات.
قبل أن يدخل مركز الاقتراع، يكون قد شاهد عشرات المقاطع، وقرأ مئات التعليقات، وتابع نقاشات سياسية، وربما كوّن انطباعًا عن المرشحين قبل أن يسمع برامجهم كاملة.
وهنا تصبح المنصات الرقمية جزءًا من المعركة على ثقة المواطن.
لكن السؤال يبقى:
هل يختار المواطن السياسي، أم أن الصورة التي تصنعها الشاشة تساعد في اختيار السياسي نيابة عنه؟
لا يمكن اختزال السياسة في مواقع التواصل الاجتماعي، ولا يمكن اعتبار الشاشة بديلًا عن المؤسسات أو البرامج أو الواقع السياسي.
لكن من الصعب تجاهل حقيقة أن التكنولوجيا غيّرت قواعد اللعبة.
فالسياسي الذي لا يظهر كثيرًا أمام الكاميرا قد يكون حاضرًا في كل شاشة، والرسالة التي تبدو عفوية قد تكون وراءها استراتيجية مدروسة.
وفي زمن أصبحت فيه المعلومة أسرع من التحقق منها، لم تعد القوة السياسية تقاس فقط بعدد المؤيدين أو بحجم الحضور الجماهيري، بل أصبحت تقاس أيضًا بالقدرة على صناعة الانتباه، وبناء الصورة، وتوجيه النقاش العام.
وفي النهاية…
ربما لم يعد السؤال الأهم:
من يحكم من خلف الشاشة؟
بل السؤال الأكثر أهمية:
من يملك القدرة على تشكيل ما نراه خلف الشاشة؟
ففي السياسة الجديدة، قد لا يكون صاحب التأثير الأكبر هو من يقف أمام الكاميرا…
بل من يعرف ماذا يجعلنا نرى عندما ننظر إليها.
دانية الشماس
كاتبة وباحثة في الشأن الاجتماعي والسياسي
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






