أيلول… خمسة وستون عامًا من الصمود

تكبير الصورة

مهند محمود شوقي

عندما قررت بريطانيا في عشرينيات القرن الماضي إلحاق جنوب كوردستان بالدولة العراقية، من دون استشارة أهلها أو منحهم فرصة حقيقية لتقرير مستقبلهم، لم يكن القرار مجرد خطوة سياسية عابرة، بل كان بداية لمسار طويل من الألم والحرمان والصراع على الهوية والحقوق. كان الكورد يطالبون بحقوق بسيطة في جوهرها: حياة كريمة، والاعتراف بوجودهم القومي، وصون هويتهم وحقهم في المشاركة في إدارة شؤونهم، لكن بغداد ولندن اختارتا في مراحل عديدة لغة القوة بدل الحوار، فجاء الرد على المطالب بالمدافع والدبابات والطائرات، التي وصلت إلى القرى وأحرقت الحقول وشردت العائلات.
في تلك اللحظات القاسية، لم يكن أمام الكورد سوى التمسك بخيط الأمل. ومع كل حملة عسكرية كان يولد إصرار جديد على البقاء والدفاع عن الحقوق. وشكلت ثورات بارزان في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي محطات مبكرة في هذا المسار، قبل أن تأتي اللحظة المفصلية في صباح أيلول عام 1961، عندما اندلعت الثورة بقيادة الملا مصطفى بارزاني، لتفتح فصلًا جديدًا في تاريخ القضية الكوردية.
لم تكن ثورة أيلول مجرد معركة عسكرية، بل كانت قصة إنسانية بكل تفاصيلها. كانت أمًّا تودع ابنها وهو ينضم إلى صفوف البيشمركة، وطفلة صغيرة تحتمي في كهف من غارات الطائرات، وشيخًا يخبئ الخبز والماء للمقاتلين، وفلاحًا يترك أرضه وقريته بحثًا عن الأمان. خلف كل مقاتل في الجبل كانت عائلة تنتظر، وخلف كل شهيد حكاية حياة توقفت، لكنها تحولت إلى جزء من ذاكرة شعب بأكمله.
وفي أيلول، لم يكن النضال حكرًا على مكوّن واحد، فقد تداخلت في مسيرتها مختلف المكونات القومية والدينية التي عاشت في كوردستان، من الكورد والآشوريين والكلدان والتركمان وغيرهم، في صورة عكست طبيعة المجتمع الكوردستاني المتنوع، ورسخت فكرة أن الأمن والكرامة والحقوق مسؤولية مشتركة لجميع أبناء المنطقة.
ومن زاخو إلى بدرة، ومن الجبال إلى السهول، تحولت الثورة إلى مساحة واسعة للنضال والذاكرة. فقد منحت الإنسان الكوردي شعورًا جديدًا بأنه قادر على الدفاع عن وجوده وحقوقه، وأن الجغرافيا التي عاش فيها أجداده يمكن أن تكون أساسًا لبناء مستقبل يشارك في صنعه، لا أرضًا تُدار قراراتها بعيدًا عن إرادته.
وعلى مدى أربعة عشر عامًا، دفع أبناء كوردستان أثمانًا باهظة. سقط الشهداء، وتشردت العائلات، ودمرت القرى، وعاشت أمهات على انتظار أبنائهن الذين لم يعودوا. لكن تلك التضحيات لم تذهب سدى، فقد ساهمت الثورة في دفع النظام العراقي إلى الاعتراف بحقوق الشعب الكوردستاني في بيان 11 آذار التاريخي عام 1970، الذي مثل محطة مفصلية في مسار القضية الكوردية، وفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاعتراف بالحقوق القومية.
لكن الطريق لم يكن مستقيمًا. فجاءت اتفاقية الجزائر عام 1975 لتشكل ضربة قاسية للثورة، وانتهت مرحلة أيلول العسكرية، لكن القضية لم تنتهِ. بقيت الفكرة حية في وجدان الشعب، وانتقلت من جيل إلى آخر، ثم عادت بروح جديدة في ثورة كولان، قبل أن تتوج مسيرة طويلة بالانتفاضة الشعبية عام 1991، التي مهدت الطريق أمام تأسيس برلمان كوردستان وحكومة الإقليم، ووضعت أسس تجربة سياسية ومؤسساتية تطورت لاحقًا لتصبح جزءًا من النظام الدستوري العراقي.
ولهذا، فإن أيلول لا يمكن اختزالها في تاريخ اندلاع ثورة أو في سلسلة من المعارك العسكرية. إنها ذاكرة شعب، ومحطة تأسيس في الوعي السياسي الكوردي، وجسر بين أجيال حملت القضية نفسها بأدوات مختلفة؛ من البندقية في الجبل إلى صناديق الاقتراع، ومن المقاومة إلى المؤسسات، ومن ساحات القتال إلى العمل السياسي والدبلوماسي.
وفي الذكرى الخامسة والستين لاندلاع ثورة أيلول، تتجدد الذاكرة بكل ما حملته تلك السنوات من تضحيات وآلام وآمال. خمسة وستون عامًا مرت على ذلك اليوم الذي تحول فيه أيلول إلى رمز للنضال الكوردستاني، لكن أثره لم يتوقف عند جيل الثورة، بل امتد إلى الأجيال التي جاءت بعدها، وصولًا إلى واقع إقليم كوردستان وما يمتلكه اليوم من مؤسسات وحقوق دستورية.
وفي هذه الذكرى، أكد رئيس حكومة إقليم كوردستان مسرور بارزاني أهمية وحدة الصف وتوحيد الموقف بين جميع القوى والأطراف الكوردستانية، مشددًا على أن ذلك يمثل الضمانة الأساسية لحماية الكيان الدستوري للإقليم وتطوير مكتسباته الوطنية.
واستذكر رئيس الحكومة، في بيان بمناسبة الذكرى الخامسة والستين لاندلاع ثورة أيلول، نضال البيشمركة وجميع المشاركين في تلك الثورة، التي جمعت مختلف المكونات القومية والدينية في كوردستان، مؤكدًا أن الثورة حققت مكاسب تاريخية بارزة، وفي مقدمتها إرغام النظام العراقي في ذلك الوقت على الاعتراف بحقوق الشعب الكوردستاني عبر بيان 11 آذار التاريخي عام 1970.
وتحمل هذه الرسالة أهمية خاصة في ذكرى أيلول، لأن التاريخ لا يمنح الشعوب مكتسباتها مرة واحدة وإلى الأبد. فالحقوق تحتاج إلى حماية، والمؤسسات تحتاج إلى ترسيخ، والوحدة الداخلية تبقى عنصرًا أساسيًا في مواجهة التحديات التي يمكن أن تهدد ما تحقق بعد عقود من التضحيات.
لقد بدأت أيلول في الجبال، لكنها لم تنتهِ هناك. خرجت من بين الصخور إلى المدن، ومن خنادق البيشمركة إلى المؤسسات، ومن ذاكرة الشهداء إلى أجيال جديدة ولدت وهي ترى مؤسسات كوردستان قائمة وتعيش تجربة سياسية لم تكن ممكنة لولا تضحيات من سبقوها.
ولهذا تبقى أيلول ثورة إنسانية قبل أن تكون حدثًا عسكريًا، ولحظة ولادة جديدة في تاريخ كوردستان. ولادة لم تكن سهلة، ولم تُكتب بالحبر وحده، بل كُتبت بالدم والدموع والصبر والتضحيات.
وفي ذكراها الخامسة والستين، لا تعود أيلول إلى الماضي فقط، بل تنظر أيضًا إلى المستقبل؛ لتذكّر بأن الحفاظ على المكتسبات، وتعزيز وحدة الصف، وترسيخ المؤسسات، وحماية التعايش بين أبناء كوردستان ومكوناتها، هي مسؤولية الأجيال التي ورثت ثمرة ذلك النضال.
فأيلول لم تكن أربعة عشر عامًا من الحرب فحسب، بل كانت أربعة عشر عامًا من صناعة الذاكرة والإرادة. ولهذا بقي اسمها حيًا بعد خمسة وستين عامًا، وبقيت قصص رجالها ونسائها وشهدائها جزءًا من قصة كوردستان الحديثة.

 

مساحة إعلانية

تصميم وتطوير مواقع احترافية

نطور موقعك الإلكتروني بأعلى كفاءة، مع استشارات ممتازة لاختيار أفضل استضافة لعملك.


اكتشاف المزيد من Kurd Online

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

× Zoomed Image
Scroll to Top