خليل كارده
بعد سنوات طويلة من الانقسام والتجاذبات السياسية,تأتي خطوة توحيد قوات البيشمركة التابعين للقوتين 70 و 80 ضمن وزارة البيشمركة لتفتح صفحة جديدة في تاريخ إقليم كوردستان. وإذا كان هذا التوحيد قد أصبح واقعاً ونهائياً بالفعل,فإننا أمام واحدة من أهم الخطوات التي كان ينتظرها الشعب الكوردي منذ سنوات. فالبيشمركة ليست مجرد تشكيلات عسكرية, بل هي رمز لقضية شعب دفع ثمناً باهظاً من الدماء من أجل الحرية والأمن وحقه في إدارة أرضه. ولذلك فإن بقاء قواتها موزعة بين الولاءات الحزبية كان يمثل نقطة ضعف سياسية وعسكرية, مهما كانت التبريرات.
لقد أثبتت التجارب السابقة أن قوة كوردستان لا يمكن أن تكون مكتملة ما دامت القوة العسكرية موزعة بين حزبين رئيسيين. فالإقليم يحتاج إلى مؤسسة عسكرية واحدة, وقرار عسكري واحد, ووزارة واحدة, وهيكل قيادة واضح, بعيداً عن الحسابات الحزبية.
خطوة متأخرة لكنها ضرورية , لا يمكن إنكار أن عملية توحيد البيشمركة تأخرت كثيراً فقد مرت سنوات طويلة من المفاوضات واللجان والخطط والاتفاقيات بينما القوتان 70 و 80 واقعاً قائماً على الأرض. لكن المهم اليوم ليس فقط أن نحتفل بالخطوة بل أن نسأل هل سيكون التوحيد شكلياً أم حقيقياً؟ التوحيد الحقيقي لا يعني فقط نقل أسماء الوحدات إلى وزارة البيشمركة أو توحيد الزي والشارات وإنما يعني أن يكون ولاء الجندي للمؤسسة العسكرية ولإقليم كوردستان وأن تكون الأوامرالعسكرية صادرة من قيادة رسمية واحدة وأن لا يكون هناك قرار عسكري مواز خارج إطار الوزارة. وهنا تكمن أهمية المرحلة المقبلة, البيشمركة أمام اختبار تاريخي, إقليم كوردستان يواجه تحديات أمنية وسياسية معقدة. فهناك تهديدات إقليمية ووجود عسكري تركي داخل أراضي الإقليم وتدخلات إيرانية وتحديات من بغداد إضافة إلى خطر الجماعات المسلحة والإرهاب, فضلاً عن التغيرات الكبيرة في السياسية الأميركية تجاه المنطقة. وفي مثل هذه الظروف لا يستطيع الإقليم أن يعتمد إلى الأبد على القوى الخارجية لحماية أمنه. الاصدقاء مهمون والتحالفات الدولية ضرورية والدعم الأميركي والغربي له أهميته لكن القوة الحقيقية لأي شعب تبدأ من قدرته على حماية أرضه ومؤسساته بنفسه.
ومن هنا فإن توحيد البيشمركة لا ينبغي أن يُنظر إليه بإعتباره مطلباً أميركياً أو شرطاً للحصول على الدعم فقط وإنما باعتباره مصلحة وطنية كوردستانية قبل أن يكون استجابة لضغوط الخارج.
لا نريد بيشمركة حزبية نريد بيشمركة كوردستانية , لقد قاتل البيشمركة في الجبال والوديان وواجهوا أعتى الأنظمة والجماعات المسلحة وسقط منهم آلاف الشهداء, ولذلك فإن من حق هؤلاء الشهداء أن تتحول المؤسسة التي ضحوا من أجلها إلى مؤسسة وطنية حقيقية. البيشمركة الموحدة يجب أن تكون فوق الحزب وفوق الأشخاص وفوق المصالح الحزبية والانتخابية. لا نريد قوة 70 ولا قوة 80 في معناها السياسي القديم بل نريد قوة بيشمركة واحدة تحمل اسم كوردستان وتدافع عن جميع مواطنيها دون تمييز. وهذا لا يعني إلغاء دور الحزبين السياسي أو تاريخهما, وإنما يعني الفصل بين العمل الحزبي والعمل العسكري, الحزب يمارس السياسة أما الجيش الكوردستاني فيحمي الوطن. الوحدة العسكرية تعزز الوحدة السياسية ومن الخطأ الاعتقاد أن توحيد البيشمركة قضية عسكرية فقط إنها قضية سياسية بإمتياز.
أمام كوردستان فرصة تاريخية, إن توحيد البيشمركة في هذه المرحلة بالذات يحمل رسالة مهمة إلى الداخل والخارج, كوردستان تريد بناء مؤسساتها وليس مجرد الاحتفاظ بتشكيلات حزبية مسلحة. فالعالم لا يحترم القوة العسكرية فقط وإنما يحترم المؤسسات القادرة على تنظيم هذه القوة ووضعها تحت سلطة قانونية واحدة. ومن هنا فإن نجاح مشروع توحيد البيشمركة يمكن أن يكون أكثر من مجرد إصلاح عسكري يمكن أن يكون خطوة جديدة في مشروع بناء إقليم المؤسسات في كوردستان.
البيشمركة صنعت تاريخ كوردستان وحان الوقت لكي تصنع كوردستان مؤسسة بيشمركة وطنية موحدة تليق بتضحياتها. فهل يكون توحيد القوتين 70 و 80 نهاية عصر البيشمركة الحزبية وبداية عصر البيشمركة الوطنية لإقليم كوردستان؟
هذا هو الاختبار الحقيقي, والتاريخ سيحكم على الجميع.
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






