رمزي ميركاني
شكّل ظهور السيد مسعود بارزاني في برنامج «المواجهة» على قناة الشرقية، في 29 أيلول/سبتمبر 2026، لقاءً سياسيًا لافتًا، ليس فقط بسبب المكانة التي يحتلها بارزاني في المشهدين الكردي والعراقي، وإنما أيضًا بسبب توقيت الحوار الذي يأتي في ظل أزمات سياسية وأمنية متشابكة، وتوترات إقليمية، وانتهاء مهمة قوات التحالف الدولي في العراق. وقد تناول اللقاء ملفات متعددة، من مستقبل النظام السياسي العراقي والعلاقة بين بغداد وأربيل، إلى السلاح خارج مؤسسات الدولة، ومخاطر عودة تنظيم داعش، ومستقبل الكرد في سوريا، إضافة إلى موقف بارزاني من المرحلة السياسية المقبلة.
بدأ الحوار من سؤال واسع حول حصيلة عقود من النضال السياسي الكردي، وما إذا كانت الأهداف التي ناضل من أجلها بارزاني والحركة الكردية قد تحققت. وكانت إجابته مختصرة لكنها تحمل دلالة سياسية واضحة، إذ قال إن جزءًا كبيرًا من الأهداف تحقق، لكن ليس كلها. وربط بارزاني القضية الكردية منذ بداياتها بمسألة بناء نظام ديمقراطي في العراق، مشيرًا إلى أن الشعار التاريخي للحركة الكردية كان يقوم على الديمقراطية للعراق والحكم الذاتي لكردستان. وبعد عام 2003، انتقل الخطاب إلى التأكيد على الفيدرالية والشراكة والتوازن والتوافق باعتبارها أسسًا لبناء العراق الجديد.
الدستور والعلاقة بين بغداد وأربيل
احتل ملف العلاقة بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان مساحة كبيرة من الحوار. وانتقد بارزاني ما وصفه باستمرار ثقافة الحكم المركزي، معتبرًا أن الدستور العراقي وضع أساسًا لنظام اتحادي يقوم على توزيع الصلاحيات والثروة والسلطة، لكن التطبيق العملي لم يكن، بحسب طرحه، بمستوى النصوص الدستورية.
ورأى أن مشكلة العراق لا تكمن في غياب النصوص، بل في عدم الالتزام بها. ولهذا شدد على مبادئ الشراكة والتوازن والتوافق، معتبرًا أن العودة إليها، إلى جانب الالتزام بالدستور، تمثل مدخلًا لمعالجة الأزمات السياسية المتراكمة. كما حمّل الطرفين، بغداد وأربيل، مسؤولية دراسة مواطن الخلل، مؤكدًا أنه لا يريد حصر المسؤولية في المركز وحده.
ومن الملفات البارزة التي كشف عنها بارزاني وجود اتفاق سياسي مكتوب بين إقليم كردستان والإطار التنسيقي، وقال إن مشاركة الحزب الديمقراطي الكردستاني في الحكومة الحالية ارتبطت بهذا الاتفاق. وأكد أن استمرار المشاركة السياسية مرتبط بتنفيذ الالتزامات التي جرى الاتفاق عليها، مشيرًا إلى ملفات دستورية من بينها المادة 140 وموضوع النفط والغاز. ووفق ما نقلته التغطيات، شدد بارزاني على أن عدم تنفيذ الاتفاق سيجعل استمرار المشاركة في الحكومة موضع مراجعة.
«الدويلات الموازية» والسلاح
من أكثر العبارات التي أثارت الانتباه خلال المقابلة وصف بارزاني لوجود «دويلات موازية» داخل الدولة العراقية، معتبرًا أن المؤسسات الدستورية لا تمسك وحدها بزمام القرار. وربط هذه المسألة بمشكلة السلاح خارج سيطرة الدولة، وهي قضية أصبحت من أبرز الملفات الأمنية والسياسية في العراق.
وحذّر بارزاني من أن ملف حصر السلاح بيد الدولة يمثل تحديًا بالغ الحساسية، داعيًا إلى معالجة القضية بالحوار وتجنب الوصول إلى مواجهة داخلية. وفي السياق نفسه، عبّر عن مخاوفه من أن تؤدي الصراعات الداخلية إلى إضعاف الدولة وإعادة إنتاج أزمات أمنية سابقة.
مخاوف عودة داعش
الجانب الأمني كان حاضرًا بقوة في حديث بارزاني، خصوصًا مع انتهاء مهمة التحالف الدولي في العراق. واستعاد تجربة عام 2011، معربًا عن مخاوفه من تكرار الظروف التي سبقت صعود تنظيم داعش في 2014. وأكد أن التنظيم لم يعد يمتلك القوة نفسها التي كان يمتلكها في ذروة سيطرته، لكنه، بحسب طرحه، لا يزال يمثل تهديدًا أمنيًا.
وتكتسب هذه التصريحات أهمية إضافية بسبب انتهاء مهمة التحالف في العراق وإقليم كردستان في 30 أيلول/سبتمبر 2026، وهو تطور يأتي في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.
الكرد في سوريا
امتد الحوار كذلك إلى القضية الكردية في سوريا. وقال بارزاني إن الكرد في سوريا يمثلون جزءًا مهمًا من الشعب الكردي، وإنه كان يأمل أن يحصلوا على حقوق أكبر. لكنه شدد في الوقت ذاته على رفض الحرب، داعيًا إلى مساعدة الكرد في الحفاظ على وضعهم والتفاهم مع الحكومة السورية.
وكانت من أبرز رسائله في هذا الملف دعوته الكرد إلى الاعتماد على الذات وعدم الرهان بصورة مطلقة على حماية القوى الكبرى، وهي رسالة تعكس خبرة طويلة للحركة الكردية مع التحالفات والتغيرات الإقليمية والدولية.
خلاصة اللقاء
يمكن قراءة مقابلة الرئيس مسعود بارزاني في «المواجهة» باعتبارها عرضًا متكاملًا لرؤيته للعراق والمنطقة: عراق اتحادي يلتزم بالدستور، وتوازن سياسي بين مكوناته، وعلاقة مؤسساتية بين بغداد وأربيل، وحصر السلاح بيد الدولة، مع تجنب الصدام الداخلي.
وفي الوقت نفسه، حمل اللقاء رسائل مباشرة بشأن مشاركة الحزب الديمقراطي الكردستاني في العملية السياسية، إذ ربط بارزاني استمرارها بتنفيذ الاتفاقات والالتزامات السياسية والدستورية. أما على المستوى الإقليمي، فقد ركز على ضرورة عدم الارتهان للقوى الخارجية، وعلى أهمية الحوار بدل الحرب.
وبذلك لم تكن المقابلة مجرد استعراض لمواقف سياسية سابقة، بل جاءت في لحظة انتقالية للعراق والمنطقة، وطرحت أسئلة تتعلق بمستقبل النظام السياسي، وشكل العلاقة بين المركز والإقليم، ومستقبل الأمن العراقي بعد انتهاء مهمة التحالف. أما موقف بارزاني النهائي فظل قائمًا على التفاؤل؛ فقد أكد في ختام الحوار أنه متفائل دائمًا، رغم حجم التحديات التي تواجه العراق وإقليم كردستان.
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.





