بقلم: نيك كوسوفان
سواء كنت تسير عبر إحدى المدن الغربية الكبرى، أو تتصفح وسائل التواصل الاجتماعي، أو متواجداً في حرم جامعي اليوم، فمن المستحيل ألا تلاحظ ذلك. الشعار مطبوع بالاستنسل على الجدران الطوبية، وملصق على أعمدة الإضاءة، ومعلق من الشرفات، أو يتردد عبر مكبرات الصوت في كل مكان: “الحرية لفلسطين!”. لقد أصبح هذا الشعار الخطوة المعتمدة لمن ينصبون أنفسهم ناشطين ولأصحاب الأخلاقيات النظرية للاستعراض الأخلاقي بتأييدهم لحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم، وتقرير مصيرهم، وكرامتهم الإنسانية الأساسية.
ما لن تراه أو تسمعه خلال سيرك أو زيارتك للحرم الجامعي هو أي أعلام، أو لافتات مرسومة، أو هتافات للأكراد؛ هذا بفرض أنك مدرك أساساً بأنهم شعب بلا دولة أيضاً. فبينما تتجمع أمواج الغضب الغربي دعمًا لتقرير المصير الفلسطيني، يظل أكثر من 40 مليون كردي أكبر مجموعة عرقية من دون دولة خاصة بهم. يتوزعون عبر تركيا وإيران والعراق وسوريا، وقد أمضوا أكثر من قرن وهم يقاتلون من أجل الحقوق نفسها التي يطالب بها الفلسطينيون: الحقوق الإنسانية الأساسية ووطن قومي.
لماذا تثير المأساة الفلسطينية غضباً عارماً في جميع أنحاء الغرب، بينما يُعامل الأكراد بهامش جيوسياسي؟
بالتأكيد، ليس السبب هو نقص المعاناة الإنسانية. فبعد انهيار الدولة العثمانية، وعدت معاهدة سيفر عام 1920 الأكراد بدولة خاصة بهم، لتعود القوى الغربية وتنكث بوعدها بعد ثلاث سنوات، مجزئة وطنهم إلى أربعة أجزاء لتلبية الحدود المرسومة حديثاً دون استشارة كردي واحد. وما تلا ذلك كان قرناً من الأهوال: الهجمات الكيميائية لصدام حسين في حلبجة، والحملات العسكرية العنيفة وحظر اللغة في تركيا، وفرق الإعدام في إيران، والتهجير القسري في سوريا.
لا شيء من هذه الأهوال يحرك الضمير الغربي. وهذا الصمت ليس وليد المصادفة؛ بل هو مزيج محسوب من المصالح الجيوسياسية الذاتية، والخوارزميات التي تحركها وسائل الإعلام، وسر علني: معاداة السامية بعد إعادة تغليفها كفضيلة أخلاقية.
لنبدأ باللعبة الجيوسياسية: مصلحة حلف شمال الأطلسي (الناتو). تتعامل تركيا، وهي حليف رئيسي في الناتو يحرس الجناح الجنوبي لأوروبا، مع أي إشارة إلى الحكم الذاتي الكردي كتهديد يجب سحقه. وعندما احتاجت الجيوش الغربية إلى قوات برية لمقاتلة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في سوريا، قامت بتسليح المقاتلين الأكراد وأشادت بهم كمدافعين أبطال عن الديمقراطية. مات آلاف الرجال والنساء الأكراد وهم يؤدون “العمل القذر” لحساب الغرب. ولكن بمجرد هزيمة داعش، سحب القادة الغربيون دعمهم بهدوء، مستديرين بظهورهم للأكراد ومسلمين المفاتيح مجدداً لتركيا.
إن الغضب الغربي -بقدر ما هو استعراض للفضيلة- يكون سهلاً عندما لا تكون هناك فاتورة ملحقة به. فالتنديد بإسرائيل لا يكلف شيئاً تقريباً؛ إنه ممارسة قليلة المخاطر وعالية المردود في الادعاء الصالح. أما الدفاع عن الأكراد، فيتطلب مواجهة الحلفاء، وإرباك حلف الناتو، والتشكيك في الحدود التي رسمتها القوى الغربية نفسها. والحقيقة المرة بالنسبة للأكراد هي: أنهم مفيدون في ساحة المعركة، لكنهم غير مرئيين على طاولة المفاوضات.
ثانياً، لا تتناسب النضالات الكردية مع التناقضات الكارتونية التي تمرر تحت مسمى “النشاط الغربي”. تتغذى ثقافة الاحتجاج اليوم على صيغ مبسطة للغاية ومقسّمة بحدة إلى أسود وأبيض: الظالم مقابل المظلوم، والمستعمر الأبيض مقابل الضحية الأصلي. تميل وسائل الإعلام الغربية إلى سرد القضية الفلسطينية من خلال هذا الإطار—مصورة إسرائيل كبؤرة استعمارية بدلاً من دولة ذات سيادة، وهي رواية تتردد صداها بعد ذلك على السجاد الأحمر، والتغذية السحابية لوسائل التواصل، ومسارح الحفلات الموسيقية. إنها قصة جاهزة ومريحة لا تتطلب أي تمييز دقيق أو معرفة بالتاريخ.
إن تطبيق منظار “مناهضة الاستعمار” على نضال الأكراد سرعان ما ينهار. فالدوَل التي تقمع الأكراد—الأتراك والفرس والعرب—ليست “مستعمرين غربيين”. بل هي شعوب أصيلة في الشرق الأوسط ونادراً ما يُشكك في حقها في الحكم. ومن دون وجود بديل غربي يمكن إلقاء اللوم عليه، يفشل الغضب ببساطة في الاشتعال. إن الاعتراف بأن الأنظمة الشرق أوسطية يمكن أن تكون إمبريالية بطشية من شأنه أن يقوض القصة التي يعتمد عليها نظام الغضب الغربي.
إن ازدواجية المعايير متأصلة في النظام الدبلوماسي العالمي. فالقانون الدولي يتعامل مع الفلسطينيين كسكّان تحت الاحتلال الأجنبي، ما يمنحهم الحق القانوني في الانفصال وبناء دولتهم المستقلة. أما الأكراد، فيُصنفون كـ “أقليات قومية” محاصرة داخل حدود سيادية قائمة. بموجب العقيدة الدولية، لا يحق للأكراد سوى الحقوق الثقافية المحلية، وليس الاستقلال الكامل. وتحرس الدول ذات السيادة هذه الثغرة القانونية بصرامة، ليس عن مبدأ، بل خوفاً من تشجيع أقاليمها أو ألياتها على الانفصال.
والتاريخ الحديث مليء بآثار هذا النفاق. فإسبانيا لا تزال ترفض الاعتراف بكوسوفو خوفاً على إقليم كاتالونيا؛ والمحكمة العليا الكندية فرضت قيوداً قانونية على كيبيك تقتصر على الحكم الذاتي الداخلي عام 1998؛ وعندما صوّت 93% من أكراد العراق لصالح الاستقلال عام 2017، نشرت الأنظمة المجاورة الدبابات فوراً لسحق هذا التصويت. إن حماية الخطوط المرسومة على الخريطة ستظل دائماً أكثر أهمية للسياسيين من حرية البشر في تقرير مصيرهم.
ثالثاً، إن لصحافة القرن الحادي والعشرين مصلحة ذاتية لا تنكر: تصنيع روايات قائمة على إثارة الغضب للإبقاء على الاستمرار. فالصراع الإسرائيلي الفلسطيني هو بمثابة “مخدر” للإعلام—تفاعل مضمون وعالي الطاقة لغرف الأخبار وللخوارزميات على حد سواء. وقد رأينا هذا السيرك ينفجر عندما صرخ مغني الراب الأمريكي ماكليمور (Macklemore) قائلاً: “الحرية لفلسطين!” على المسرح أثناء افتتاحه لحفل إد شيران (Ed Sheeran). وبعد أن أفيد بأن مالكي المكان ضغطوا على شيران لاستبعاد ماكليمور، استقالت الفرقة الموسيقية المساندة لشيران بأكملها—بما في ذلك فرقته المرافقة منذ فترة طويلة “بيوجا” (Beoga) والمشاركون في الافتتاح مثل فينياس (Finneas)—من الجولة احتجاجاً.
ورغبة منه في استغلال فرصة تجارية واضحة، أعلن ماكليمور فوراً عن “جولة الحرية لفلسطين”، كاشفاً عن كل ما تحتاج معرفته عن بوصلته الأخلاقية. (نعم، أنا أعلم أن ماكليمور يسميها “جولة خيرية”). وقد سارعت وسائل الإعلام إلى تحويل هذا السجال إلى حالة جنونية من الانتشار، مكبرة كل تغريدة، ومقاطعة، وموقف للمشاهير، وانخفاض في مبيعات تذاكر شيران ومتابعيه على إنستغرام كدليل اجتماعي على الغضب الجماعي.
وتحت غرف الأخبار التي تخدم مصالحها الذاتية، تكمن واقعية ديموغرافية. فالمطالبة بتقرير المصير الفلسطيني تعتمد على شبكة عالمية ضخمة تبلغ زهاء ملياري مسلم، يدفع انتماؤهم المشترك إلى الاستثمار العاطفي عبر كافة المناطق الزمنية. إنها مكبر صوت عابر للحدود وجاهز للاستخدام. ولا يوجد مثل هذا التحالف العالمي للأكراد. وبما أن نضالهم هو نضال عرقي وإقليمي بدلاً من أن يكون دينيًا عابرًا للقوميات، فإن القضية الكردية لا تجذب أي تكتل دولي، ولا حركة عالمية، ولا تعاطفاً على الساحة الدولية، تماماً كما لم يهتم أحد خارج البريطانيين والأيرلنديين بالصراع في أيرلندا الشمالية.
وهنا يجب التوقف عن المتاجرة بالأكاذيب المريحة، والاعتراف بحقيقة غير مريحة: الانقسام الجوهري بين التأييد للقضية الفلسطينية والنضال الكردي من أجل تقرير المصير يتلخص في معادلة بسيطة: من يدفع ثمن الدولة ومن يُسمح له باحتكار تعاطف العالم.
إذا منحت إسرائيل دولة مستقلة للفلسطينيين، فإن اليهود هم من يدفعون الثمن. وإذا منحت تركيا وسوريا والعراق وإيران كردستان مستقلة، فإن المسلمين هم من يدفعون الثمن. هذه هي المعادلة بأكملها. فالغضب الغربي الاستعراضي ينفجر في السيناريو الأول لأن المطالبة بالتضحيات من الآخرين لا تكلف شيئاً، ولكنه يتبخر في السيناريو الثاني لأن محاسبة الأنظمة ذات الأغلبية المسلمة يربك نصهم المفضل والانتقائي في “مناهضة الاستعمار”.
يكشف هذا الانقسام عن الأخلاق الانتقائية التي تحكم الخطاب العام. وفي حين تظل معاداة السامية واقعاً لا ينكر، فإن الموقف المناهض لإسرائيل يوفر واجهة ملمعة لأحقاد قديمة. وفي مجتمع غربي يلتزم باللياقة السياسية، فإن تردد نظريات المؤامرة المناهضة لليهود صراحة—مثل “اليهود يسيطرون على البنوك” أو “اليهود يشعلون الحروب من أجل الربح”—يجلب الإدانة بحق. لكن تغليف تلك المواقف نفسها كـ “نقد للصهيونية” يحظى بالتصفيق في الأوساط التي تطرح نفسها كتقدمية. لقد أصبحت إسرائيل ببساطة بديلاً مسموحاً به اجتماعيًا لاستهداف اليهود.
إن النضال الكردي لا يحمل أي ضغينة مغلفة تدفع بروايته إلى الأضواء العالمية. إنه نضال محلي ضد دول مسلمة مجاورة. وبالنسبة للحكومات في أنقرة ودمشق وبغداد وثهران، فإن التنازل عن أراضٍ لصالح وطن كردي يعني التخلي عن أراضٍ تحت سيطرة مسلمة، وهو تسوية صفرية لا تتطوع أي قوة إقليمية بتقديمها. علاوة على ذلك، أقام الأكراد في كردستان العراق ورج آفا أنظمة علمانية ومحدثة بشكل ملحوظ تركز على التعددية وحقوق المرأة. وبالنسبة للأنظمة التقليدية، فإن دعم قيام دولة كردية يعني رؤية نموذج تقدمي ومساواتي يزدهر على حساب السلطة الدينية التقليدية.
أما المسمار الدبلوماسي الأخير في النعش، فهو مسألة انطباع إقليمي: يُنظر إلى الأكراد في جميع أنحاء الشرق الأوسط على أنهم مقربون جداً من إسرائيل. وفي منطقة تعد فيها العدائية لإسرائيل شرطاً أساسياً للشرعية السياسية، فإن أي مجموعة تُوصم بأنها صديقة للدولة اليهودية تصبح على الفور مادة مشعة وضارة بالنسبة للأنظمة المجاورة ولغرف الصدى الأيديولوجية الغربية.
إن القيم العالمية مثل تقرير المصير، ومناهضة الإمبريالية، والكرامة الإنسانية الأساسية تفقد معناها عندما تطبق بشكل انتقائي. إن تقرير من يستحق دولة بناءً على الملاءمة الجيوسياسية، أو الترويج الإعلامي، أو التحيز الخفي يدمر مفهوم العدالة نفسه. إن المطالبة بصوت عالٍ بالحرية لمجموعة واحدة مع غض الطرف عن أربعين مليون كردي ليس شجاعة أخلاقية، بل هو تضامن استعراضي قائم على ازدواجية المعايير.
لقد حان الوقت للحكومات الغربية، والرموز الثقافية، والنقاد الإعلاميين، والمتظاهرين في الشوارع للالتزام بمعايير اتساق أخلاقي مع قناعاتهم المعلنة. إذا كانت “الحرية لفلسطين!” هي الهتاف الرئيسي للحملة الأخلاقية الانتقائية اليوم، فإن الاتساق الأخلاقي يتطلب طرح هذا السؤال غير المريح: لماذا ليس أيضاً “الحرية لكردستان!”؟
نيك كوسوفان، الذي يصف نفسه بأنه خبير في النفس البشرية، يكتب عما يدور في ذهنه من تورونتو. يمكنك متابعة نيك على تويتر وإنستغرام عبر حساب NKossovan@.
المقالة الأصلية باللغة الإنكليزية على الرابط التالي:
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






