جكرخوين.. شاعر الكرد وذاكرة الوطن

تكبير الصورة

دجوار أحمد آغا

في الثاني والعشرين من تشرين الأول كل عام، يستعيد الكرد ذكرى رحيل أحد أبرز أعلامهم الأدبية والثقافية في القرن العشرين، الشاعر الكبير جكرخوين Cegerxwîn، الذي غادر الحياة في ستوكهولم عام 1984، تاركاً وراءه إرثاً شعرياً وفكرياً تجاوز حدود الأدب، ليصبح جزءاً من الذاكرة القومية والثقافية للشعب الكردي. لم يكن جكرخوين شاعراً يكتب عن الألم من بعيد، بل كان ابن ذلك الألم، عاش الفقر والحرمان والاغتراب، وشهد معاناة شعبه وتعرض لغته وهويته للإقصاء والتهميش. لذلك؛ جاءت قصائده مزيجاً من الوجدان الإنساني والوعي القومي والاجتماعي، وصوتاً يعبر عن الفلاحين والكادحين والمحرومين، وعن شعب ظل يناضل من أجل الاعتراف بلغته وحقوقه وهويته. إن استعادة سيرته في ذكرى رحيله ليست مجرد وقفة عند تجربة شاعر كبير، بل هي عودة إلى مرحلة مهمة من تاريخ النهضة الثقافية والسياسية الكردية الحديثة.

الولادة والنشأة.. من هساري إلى روج آفا

مساحة إعلانية

تصميم وتطوير مواقع احترافية

نطور موقعك الإلكتروني بأعلى كفاءة، مع استشارات ممتازة لاختيار أفضل استضافة لعملك.

وُلد جكرخوين عام 1903 في قرية هساري Hesarê، الواقعة قرب مدينة إيله Êleh “باطمان” في باكور كردستان. اسمه الحقيقي شيخموس حسن، وقد نشأ في أسرة فقيرة، وعاش طفولة قاسية فقد خلالها والديه في سن مبكرة، واضطر إلى مواجهة ظروف الحياة الصعبة في مرحلة مبكرة من عمره. لم تتح له الظروف فرصة الانتظام في التعليم المدرسي الحديث، لكنه تلقى تعليماً دينياً تقليدياً، وتعلم القراءة والكتابة، ثم تنقل بين المدارس الدينية في أجزاء كردستان، طلباً للعلم والمعرفة.

وكانت البيئة الاجتماعية التي عاش فيها، بما حملته من فقر ومعاناة وحرمان، عاملاً أساسياً في تشكيل وعيه المبكر. فقد تعرف إلى حياة الفلاحين والكادحين، وعايش تفاصيل الحياة اليومية في القرى الكردية، واستمع إلى الحكايات الشعبية والأغاني والأشعار التي تناقلتها الأجيال. ومن هذه البيئة بدأت تتكون ملامح شخصيته الأدبية، قبل أن تتحول تجاربه الشخصية إلى رؤية شعرية تعبر عن معاناة مجتمع بأكمله. في أعقاب الحرب العالمية الأولى، انتقلت أسرته إلى روج آفا، واستقرت في محيط مدينة عامودا، حيث بدأت مرحلة جديدة من حياته، ارتبطت فيها تجربته الشخصية ارتباطاً وثيقاً بالواقع الاجتماعي والثقافي والسياسي للكرد في سوريا.

من الملا إلى الشاعر.. حين تجاوزت القصيدة حدود المنبر

درس جكرخوين العلوم الدينية في المدارس التقليدية، وأصبح ملا “رجل دين”، وعمل بين عامي 1928 و1936 تقريباً في عدد من القرى الكردية، حيث كان يؤدي مهامه الدينية والاجتماعية، ويتواصل بصورة مباشرة مع أبناء المجتمع. غير أن احتكاكه اليومي بالفلاحين والفقراء، وما شاهده من تفاوت اجتماعي وظلم وحرمان، دفعه تدريجياً إلى توسيع اهتماماته من المجال الديني إلى المجال الثقافي والاجتماعي والسياسي. فقد أدرك أن حياة الناس لا تتحدد بالوعظ وحده، وأن الفقر والجهل والاضطهاد تحتاج إلى وعي يتجاوز حدود الخطاب التقليدي.

في تلك المرحلة بدأ يكتب الشعر، متخذاً من اللغة الكردية أداة للتعبير عن هموم الناس وآمالهم. ولم تعد القصيدة عنده مجرد وسيلة للتعبير عن المشاعر الفردية، بل تحولت إلى وسيلة للتوعية والدفاع عن الكرامة والحقوق والهوية.

أما اسمه الأدبي «جكرخوين»، فيحمل دلالة وجدانية عميقة في اللغة الكردية، إذ يحيل إلى الكبد النازف أو القلب الذي ينزف ألماً، وهي صورة تتناسب مع تجربته الشخصية ومع ما حمله شعره من وجع شعبه. وقد تبلورت شخصيته الشعرية في سياق تاريخي شهد تحولات عميقة في كردستان، ولا سيما بعد قمع ثورة الشيخ سعيد بيران عام 1925، وما أعقبها من ملاحقات واضطرابات ونزوح، وهي أحداث تركت أثراً في وعيه القومي والاجتماعي.

التأثر بالتراث الكردي والانفتاح على الفكر الحديث

لم تتشكل تجربة جكرخوين الشعرية من فراغ، بل استندت إلى تراث أدبي كردي غني، وفي مقدمته أعمال الشاعر الكبير أحمد خاني، إلى جانب تقاليد الشعر الكردي الكلاسيكي والأدب الشعبي المتوارث. وقد استفاد من هذا التراث في بناء لغته الشعرية وصوره الفنية، لكنه لم يكتف بتكرار الأساليب القديمة، بل سعى إلى تجديد وظيفة الشعر وموضوعاته، ونقله من فضاء الغزل والتأمل التقليدي إلى قضايا المجتمع والحرية والعدالة والهوية القومية.

كما تأثر بالتحولات الفكرية والسياسية التي شهدتها المنطقة في النصف الأول من القرن العشرين، وبالأفكار الاجتماعية التي جعلت من الفقراء والكادحين محوراً أساسياً في فهم المجتمع. ولهذا جمع شعره بين الروح القومية والاهتمام بالعدالة الاجتماعية، وبين الاعتزاز بالتراث والدعوة إلى التغيير. وكانت لغته واضحة ومباشرة في كثير من قصائده، قريبة من لغة الناس، الأمر الذي ساعد على انتشارها بين مختلف الفئات الاجتماعية. فقد أراد للشعر أن يصل إلى الفلاح والعامل والمرأة والشاب، لا أن يبقى حبيس النخب الثقافية.

من القصيدة إلى العمل السياسي.. المشاركة في النهضة الكردية

لم يفصل جكرخوين بين نشاطه الأدبي واهتمامه بالشأن العام، بل كان يرى أن الثقافة جزء من معركة المجتمع من أجل الوعي والحقوق. شارك في النشاط الثقافي والسياسي الكردي، وأسهم في تأسيس جمعيات وتنظيمات هدفت إلى إحياء الهوية الكردية وتعزيز الوعي القومي والثقافي، وكان من الشخصيات التي ربطت بين النهضة الأدبية والعمل الوطني. كما انخرط في العمل السياسي، وارتبط اسمه بمراحل من تطور الحركة السياسية الكردية في سوريا، حيث شارك في تأسيس الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا عام 1957. تعرض خلال حياته للملاحقة والاعتقال، لكنه واصل النضال السياسي والثقافي مؤمناً بأن الدفاع عن الوطن يتضمن الى جانب النضال السياسي الدفاع عن اللغة والثقافة لا يقل أهمية عن أشكال النضال الأخرى.

مسيرة قامشلو عام 1954.. حين خرجت المطالب من القصيدة إلى الشارع

تحتل مشاركة جكرخوين في أولى المسيرات الكردية بمدينة قامشلو عام 1954 مكانة مهمة في ذاكرة الحركة الوطنية الكردية في سوريا. وعن ذلك يتحدث الشخصية الوطنية الكردية “كاظم حسين أسعد” في كتابه مذكراتي الصادر في قامشلو عام 2024 قائلاً: “في عام 1954م، بعد انقلاب أديب شيشكلي الذي حكم سوريا (1949-1954)، وأثناء توزيعه الأراضي للفلاحين وغض عينه عن حقوق الكرد، نحن الكرد من أنصار السلم والمقربين من الحزب الشيوعي السوري، طالبنا بحقوقنا الثقافية.. وكان الحزب الشيوعي منظمة الجزيرة ذا فعالية بين سائر الشعوب في المدينة برئاسة أراكيل الأرمني.. شكلنا وفداً وعرضنا مطالبنا لأراكيل بحضور رفيقيه حسين عمرو وأوصمان برو وغيرهما من الشيوعيين الكرد والمسيحيين.. وكان وفدنا يضم: الشاعر جكرخوين، وملا شيخموس قرقاتي، وملا شيخموس شيخي، وملا رمضان برزنجي، وكاظم حسين أسعد.. بعد المداولة أشار إلينا أراكيل ورفاقه أن نقوم بمسيرة جماهيرية بدعم من الحزب الشيوعي ونطالب بحقوقنا الثقافية.. بداية، أن نتوجه بمسيرتنا نحو السراي ونقدم مطالبنا للقائمقامية وكان القائمقام أدهم عكاش.. اتفقنا على أن يقرأ جكرخوين نص المطالب، والتي كانت تنحصر باللغة الكردية والحقوق الثقافية.. وتم ذلك.. انطلقنا بمسيرة.. شارك فيها أكثر من 500 شخص، وكان من ضمن المشاركين فرحان هسو، وملا صبري، وفرحان أسعد وخليل عنز، وحسين عنز، وإبراهيم سليمان.. قبل الوصول إلى السراي بحدود 200 متر، اعترضنا عناصر المكتب الثاني بقيادة العميد أسعد الحكيم.. وبعد جهد جهيد تمكنا من الوصول إلى باب غرفة القائمقام، وكان قد أغلق في وجهنا.. وتم كسر الباب ودخلنا على القائمقام وجماعته وسط ذهولهم.. وتلا عليهم مطالبنا الثقافية.”

دواوينه الشعرية.. ثمانية أعمال في ذاكرة الأدب الكردي

ترك جكرخوين إرثاً شعرياً غنياً، وتعد دواوينه الثمانية من أبرز المحطات في تطور الشعر الكردي الحديث باللغة الكرمانجية. ومن أشهر دواوينه:

1. Prîsk û Pêtî صدر عام 1945

2. Sewra Azadî: صدر عام 1954

3. Kî me Ez?: صدر عام 1973.

4. Ronak: صدر عام 1980.

5. Zend-Avista: صدر عام 1981.

6. Şefeq: صدر عام 1982.

7. Hêvî: صدر عام 1983.

8. Aştî: نُشر عام 1985 بعد وفاته.

وتكشف هذه الدواوين، في مجموعها، عن مسار شعري متنوع، يجمع بين القضايا الوطنية والاجتماعية، والتأمل في الحياة والإنسان، والتعبير عن الحب والأمل والألم. كما تبرز فيها محاور أساسية، من بينها الدفاع عن اللغة الكردية، وانتقاد الظلم الاجتماعي، ومقاومة الاستبداد، والدعوة إلى الحرية والعدالة.

من قامشلو إلى السويد.. المنفى الأخير

بعد عقود من العمل الأدبي والثقافي والسياسي، غادر جكرخوين سوريا متوجهاً إلى السويد عام 1979، انطلاقاً من مدينة قامشلو، في مرحلة اتسمت بالصعوبات السياسية والقيود التي أحاطت بالنشاط الثقافي الكردي. وكان انتقاله إلى السويد محطة جديدة في حياته، لكنه لم يكن انقطاعاً عن كردستان أو عن قضايا شعبه. فقد واصل هناك الكتابة والنشر، وصدرت له دواوين جديدة عكست استمرار انشغاله بالحرية والهوية والإنسان.

وعلى الرغم من المسافة الجغرافية التي فصلته عن روج آفا، ظلت كردستان حاضرة في شعره، وظلت اللغة الكردية وسيلته الأساسية للتعبير عن انتمائه. وقد أتاحت له سنواته الأخيرة مواصلة مشروعه الأدبي، فصدرت في السويد دواوين مثل «النور» و«زند – أفيستا» و«الشفق» و«الأمل». وهكذا لم يتحول المنفى إلى نهاية لتجربته، بل أصبح مرحلة أخرى من مراحل عطائه، حافظ فيها على صلته بلغته وثقافته، وواصل الكتابة إلى أن وافته المنية في ستوكهولم يوم 22 تشرين الأول عام 1984.

الرحيل في ستوكهولم.. والعودة الأخيرة إلى قامشلو

رحل جكرخوين في العاصمة السويدية ستوكهولم، عن عمر ناهز الحادية والثمانين عاماً، بعد حياة حافلة بالكتابة والعمل الثقافي والنشاط السياسي. لكن؛ رحيله في المنفى لم يكن نهاية علاقته بكردستان؛ فقد نُقل جثمانه إلى مدينة قامشلو، حيث وُوري الثرى في باحة منزله، وسط مشاركة شعبية واسعة عبّرت عن مكانته في وجدان أبناء المنطقة. واليوم، لا يزال ضريحه قائماً في الحي الغربي بقامشلو، في باحة منزله، شاهداً على ارتباط الشاعر بالمكان الذي احتضن جانباً أساسياً من حياته ونشاطه. ويكتسب هذا القبر دلالة رمزية تتجاوز كونه مكاناً للدفن؛ فهو يمثل عودة الشاعر إلى الأرض التي عاش فيها، وارتبط بأهلها، وكتب بلغتهم عن آلامهم وأحلامهم. فقد قضى سنواته الأخيرة بعيداً عن وطنه، لكنه عاد إليه في رحلته الأخيرة، وكأن حياته اختصرت مساراً طويلاً من النزوح والاغتراب والعودة إلى الجذور.

جكرخوين.. إرث لا تحدّه السنوات

بعد عقود على رحيله، ما زال جكرخوين حاضراً في الذاكرة الكردية، لا باعتباره شاعراً كبيراً فحسب، بل بوصفه أحد الأصوات التي أسهمت في بناء الوعي الثقافي والقومي الكردي الحديث. لقد جمع بين الشعر والعمل الثقافي والسياسي، وبين الاهتمام باللغة والدفاع عن حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية، ونجح في تحويل تجاربه الشخصية إلى تعبير أدبي عن آمال شعبه ومعاناته. ولعل أبرز ما يميز تجربته أنه لم يفصل بين اللغة والهوية، ولا بين الأدب والحياة، ولا بين الشاعر ومسؤولياته تجاه مجتمعه. لقد كتب جكرخوين بالكردية في زمن كانت فيه الكتابة بهذه اللغة تحمل أبعاداً ثقافية ووطنية عميقة، وجعل من القصيدة وسيلة لحفظ الذاكرة، ونقل المعاناة، والتعبير عن التطلع إلى الحرية والكرامة.

ختاماً لا يسعنا إلا أن نقول في ذكرى رحيله، إن الحاجة تبقى قائمة إلى إعادة قراءة أعماله قراءة نقدية وتاريخية، وتوثيق سيرته ومؤلفاته وشهادات معاصريه، وترجمة نتاجه إلى اللغات الأخرى، كي يتعرف العالم إلى تجربة أدبية تشكل جزءاً مهماً من تاريخ الثقافة الكردية. فالشاعر الكبير لا يرحل حين يتوقف قلبه عن النبض، بل يبقى حياً ما دامت كلماته قادرة على ملامسة وجدان الناس، وما دام شعبه يجد في قصائده شيئاً من تاريخه وألمه وأمله. وفي قامشلو، حيث يرقد جثمان جكرخوين في باحة منزله، تظل ذكراه حاضرة، وتظل قصائده شاهدة على أن الكلمة الصادقة تستطيع أن تعبر حدود الزمن والمنفى، وأن تتحول إلى جزء من ذاكرة شعب لا ينسى شعراءه الذين حملوا صوته إلى العالم.

صحيفة روناهي

 


اكتشاف المزيد من Kurd Online

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

× Zoomed Image
Scroll to Top