حذف مفاهيم مدنية من المدارس وتصنيفات مذهبية إقصائية في التعليم الشرعي ينذران بتنشئة أجيال على التشدد
تثير التعديلات التي أدخلتها وزارة التربية السورية على المناهج المدرسية، بالتزامن مع ما كشفه العالم السوري محمد أيمن الجمال عن مناهج التعليم الشرعي التابعة لوزارة الأوقاف، مخاوف جدية من توجه نحو سلفنة التعليم وإخضاعه لرؤية دينية متشددة، قد تترك آثاراً خطيرة على الأجيال المقبلة.
ففي التعليم العام، أظهرت مقارنات موثقة حذف دروس تتناول المواطنة والحياة السياسية والإدارة المحلية والمشاركة الديمقراطية، إلى جانب تغييرات طالت صور النساء والأعمال الفنية. ورصدت دراسة لمنظمة «IMPACT-se»، شملت 130 كتاباً مدرسياً، تحولات أوسع في تقديم الهوية الدينية والمفاهيم السياسية والاجتماعية.
وفي التعليم الشرعي، كشف الجمال عن نصوص تضع الصوفية والشيعة ضمن فئات تتبع «أئمة الضلال»، وتصف مذهب التفويض بأنه من أشر المذاهب. وهي أمثلة انتقدها الجمال بوصفها تكريساً للتشدد والإقصاء داخل مناهج تشرف عليها الأوقاف.
الخطورة هنا في الجمع بين المسارين، لا في كل تعديل بمعزل عن الآخر. فحذف مضامين تتعلق بالمواطنة والمشاركة السياسية من التعليم العام، بالتوازي مع تدريس تصنيفات مذهبية إقصائية في التعليم الشرعي، يشير إلى توجه تربوي قد يجعل الطالب أقل معرفة بحقوقه السياسية، وأكثر استعداداً لتبني أحكام متشددة تجاه المخالفين له دينياً ومذهبياً.
وهذا ما يجعل الحديث عن سلفنة التعليم احتمالاً جدياً يستند إلى مضامين محددة، وإن كانت الوقائع المتاحة لا تثبت وجود خطة مشتركة بين الوزارتين.
وتكتسب هذه المخاوف أهمية إضافية مع صدور اعتراضات من شخصيات دينية، بينها الجمال وأحمد معاذ الخطيب، على جوانب مختلفة من المناهج. وهي اعتراضات تكشف أن الانتقادات لا تقتصر على خصوم التعليم الديني، بل تشمل رجال دين يرفضون التشدد وتشويه التاريخ.
أما تبرير وزارة التربية تعديلاتها بإزالة آثار النظام السابق، فلا يفسر حذف دروس عن المشاركة الديمقراطية، كما لا يفسر التغييرات التي طالت صور النساء والآثار والفنون.
إن أخطر ما قد تفضي إليه هذه التوجهات هو تحويل المدارس من مؤسسات للتعليم والمعرفة إلى أدوات للتلقين الأيديولوجي، وإعداد أجيال تتعلم الحكم على الآخرين وفق انتماءاتهم الدينية والمذهبية.
فالمناهج التي تمنح الأحكام الإقصائية صفة الحقيقة العلمية أو الدينية، وتُضعف تعليم الحقوق السياسية والمدنية، قد تساهم في إنتاج التعصب والتشدد، وتوفر بيئة فكرية يستفيد منها التطرف لاحقاً.
وفي بلد أنهكته الحروب والانقسامات المذهبية، فإن إدخال هذه المضامين إلى التعليم يحمل مخاطر تتجاوز حدود الصفوف المدرسية، وتهدد مستقبل المجتمع السوري نفسه.
#سيريا_ميرور
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.


