سهيل الزهاوي
المقدمة
تأتي قصيدة «ليلى والذئب» لعبد الستار نورعلي في سياق السنوات الأولى التي أعقبت احتلال العراق عام 2003، وهي مرحلة اتّسمت بانهيار البنى السياسية والاجتماعية وتحول الحياة اليومية إلى فضاء من الفوضى والتهديد. في هذا المناخ، لا يكتفي الشاعر بتسجيل الحدث، بل يعيد صياغته عبر لغة رمزية كثيفة تستثمر الأسطورة والحكاية الشعبية والدين والتاريخ، منتِجةً نصّاً يتجاوز حدود اللحظة السياسية إلى أفق تأويلي أوسع، حيث يتقاطع الرمز مع الذاكرة والجرح مع الهوية.
يؤسّس عنوان القصيدة «ليلى والذئب» لبنية رمزية كبرى تقوم على ثنائية الضحية/المفترس؛ فليلى تتحوّل إلى صورة العراق–الأنثى الجريحة الباحثة عن نور، بينما يتجسّد الذئب بوصفه قناعاً للاحتلال وقوى الفوضى. ومن خلال هذه الثنائية، ينفتح النص على فضاء دلالي تتقاطع فيه الأسطورة مع الواقع، ويتحوّل الحدث السياسي إلى سردية رمزية قابلة للقراءة البنيوية–السيميائية.
تتشكّل القصيدة من شبكة من العلامات: الغابة، الليل، الكوخ، النهر، النورس، الصليب، بيلاطس، الملك المهووس، الأباتشي… وكلها لا تعمل كصور جمالية فحسب، بل كعناصر في بنية رمزية تعيد تشكيل التجربة العراقية في ضوء الاحتلال وانهيار الدولة وتحوّل المدينة إلى فضاء مظلم. هنا تبرز أهمية القراءة السياسية في تتبّع تمثيلات الاحتلال والطغيان الجديد.
بالتوازي، ينهض النص على بعد نفسي واضح يتجلّى في صور الخوف، والتيه، والظل، والنزيف، بما يعكس الصدمة الجماعية للفرد العراقي. فليلى ليست رمزاً سياسياً فقط، بل ذات مجروحة، وقيس يتجاوز صورة العاشق التراثي ليغدو ضميراً معذّباً يراقب الخراب بلا قدرة على الفعل، الأمر الذي يستدعي توظيف أدوات التحليل النفسي.
إن تداخل البنية الرمزية مع السياق السياسي والبعد النفسي يجعل من «ليلى والذئب» نصاً متعدّد الطبقات، لا تُجديه مقاربة أحادية المنهج، بل يحتاج إلى قراءة تكاملية تجمع بين التحليل البنيوي–السيميائي من جهة، والتحليل السياسي–النفسي من جهة أخرى. ومن خلال هذه المقاربة، تتبدّى القصيدة كتراجيديا عراقية مكتوبة بلغة أسطورية، تُعيد صياغة الجرح الوطني في بنية شعرية تحفظ الذاكرة وتفتح أفق التأويل.
تحليل العنوان: «ليلى والذئب»
يحمل عنوان القصيدة «ليلى والذئب» بنية لغوية بسيطة تقوم على اسم علم مؤنث «ليلى» معطوفاً عليها «الذئب»، لكنه يخفي وراء هذا التركيب الموجز تعقيداً دلالياً واضحاً؛ فالعطف هنا لا يجمع بين متكافئين، بل يضع كيانين متضادين في علاقة سردية وصراعية: ضحية في مواجهة مفترس، أنثى إزاء وحش، براءة إزاء افتراس. ومنذ اللحظة الأولى، يستدعي العنوان طبقتين من المخيال: حكاية الفتاة والذئب في الذاكرة الحكائية العالمية (الطفلة البريئة في الغابة والذئب المتربّص)، ثم المخيال العربي الذي يجعل من «ليلى» –ليلى العامرية تحديداً– رمزاً للأنثى–المعشوقة، وللعشق المستحيل الذي كثيراً ما يُقرأ رمزاً للوطن والحلم. بهذا التراكب بين حكاية الطفلة والذئب وأسطورة قيس وليلى، يكتسب العنوان كثافة إيحائية قبل الدخول إلى النص.
في ضوء زمن الكتابة وسياقها (ما بعد احتلال العراق 2003)، يتحوّل هذا التركيب البسيط إلى استعارة كبرى: «ليلى» تصبح قناعاً للعراق بوصفه أنثى/أرضاً مخطوفة ومهدَّدة ومحاطة بـ«غابة» من القوى الإقليمية والدولية، لها تاريخ وحضارة لكنها تُعامَل كضحية، فيما يُجسِّد «الذئب» قوة الاحتلال: جيشاً مفترساً، حضورُه عواءٌ ليليّ وقوّة عمياء لا تستند إلى شرعية أخلاقية. العطف في «ليلى والذئب» هنا ليس عطف مساواة، بل عطف تضاد وتوتّر، يرسم منذ العنوان مشهداً أساسياً: ذات أنثوية هشّة في مواجهة مباشرة مع قوّة افتراس، من غير أن يحضر «الراعي» أو «المنقذ»، ما يجعل النص كله تطوّراً لحكاية صراع بين ضحية ووحش يعاد فيها توزيع الأدوار على رموز سياسية وتاريخية محددة.
بهذا المعنى، يقوم العنوان بوظيفتين متداخلتين: جمالية وإيديولوجية. فهو جمالياً يستثمر مخزوناً حكائياً مشتركاً يسهل به دخول القارئ إلى النص عبر باب مألوف، ثم يقلب توقّعاته، إذ يتبيّن أن الذئب ليس حيواناً في الغابة بل قناع لاحتلال معاصر، وأن ليلى ليست فتاة ساذجة بل وطناً معقّداً. وهو إيديولوجياً ينقل الخطاب من مستوى القول السياسي المباشر إلى مستوى التمثيل الرمزي، فيحوّل الاحتلال إلى «ذئب» والوطن إلى «ليلى»، ويحمّل المتلقي مسؤولية تأويل هذه المعادلة أخلاقياً وسياسياً، بحيث يُرى الاحتلال لا كحدث عسكري فحسب، بل كفعل افتراس لبراءة/أرض/أنثى، أي كجريمة إنسانية شاملة. هكذا ينهض العنوان بوظيفة «العقدة المكثفة» للنص: يلمّح إلى الشخصيات، وإلى طبيعة الصراع، وإلى الخلفية السياسية–الأسطورية للقصيدة، ويضع القارئ منذ البدء داخل أفق قراءة رمزية لواقعة 2003، من غير أن يصرّح باسم العراق أو الاحتلال تصريحاً مباشراً.
تحليل الابيات
البداية المظلمة: انطفاء النجم واستنفار الغابة وبداية مأساة ليلى
خبتِ النَّجمةُ حين اشتدَّ في الليلِ عواءُ الذِّئبِ
واستنفرتِ الغابةُ ليلى في ثيابِ الرِّيحِ
تدعو للرَّحيلْ
فوق بحرِ الحبِّ والخبزِ
وصوتِ الشَّوقِ مصدوماً
ومصدوعاً بأقراصِ الصَّهيلْ
تشكّل هذه الأسطر افتتاحية كثيفة الرموز، ترسم المناخ العام للقصيدة عبر مزج الصورة الكونية بالحدث التاريخي–السياسي. يبدأ الشاعر بقوله: «خبتِ النَّجمةُ حين اشتدَّ في الليلِ عواءُ الذِّئبِ»، فيقدّم لحظة انطفاء دلالية: خفوت النجمة لا يعني مجرّد اختفاء ضوءٍ فيزيائي، بل انطفاء رمز الهداية والأمل في لحظةٍ يتصاعد فيها «عواء الذئب»، أي حضور قوّة مفترسة عمياء، يمكن قراءتها في سياق القصيدة كقناع للاحتلال الذي جاء ليملأ فضاء الليل/الوطن بالصوت العنيف بدل النور الهادي. بهذا التقابل بين «النجمة» و«عواء الذئب» يتأسّس محور ثنائي: أملٌ يختفي في اللحظة نفسها التي يتكثّف فيها الخطر.
في السطر التالي: «واستنفرتِ الغابةُ ليلى في ثيابِ الرِّيحِ»، تتحوّل «الغابة» إلى فضاء رمزي واسع يضمّ العالم/المحيط/النظام الدولي، أو البيئة السياسية الملتبسة التي تتحرّك فيها القوى المتنازعة. فعل «استنفرت» يحمل دلالة التعبئة والاستدعاء القسري، فليلى (العراق) لا تدخل المشهد طواعية، بل تُستدعى إلى مسرح الكارثة، في حين أن «ثياب الريح» تكشف عن حالة هشاشة وعراء؛ فهي ليست ثياب حماية، بل ثياب انكشاف، ما يضاعف شعور الضحية بالعجز أمام القوى التي تستنفرها وتدفعها إلى مواجهة المصير.
يتعزّز هذا المعنى في قوله: «تدعو للرَّحيلْ / فوق بحرِ الحبِّ والخبزِ»، إذ تُدفَع ليلى –بوصفها ذاتاً جمعية/وطنية– إلى نوع من الرحيل أو الفكاك، لكن هذا الرحيل ليس فوق أرض صلبة، بل فوق «بحر الحب والخبز»؛ أي فوق الحاجات الإنسانية الأساسية: العاطفة والعيش اليومي. البحر هنا ليس فقط فضاء اتساع، بل أيضاً فضاء اللاستقرار، ما يوحي بأن أبسط مقوّمات الحياة (الحب، الخبز) قد تحوّلت إلى سطحٍ مائع لا يمكن الاتكاء عليه، وأنّ الرحيل ذاته يجري فوق ما كان ينبغي أن يكون مصدر طمأنينة، فإذا به يتحوّل إلى عنصر قلق واضطراب.
ويبلغ التوتّر ذروته في صورة «وصوتِ الشَّوقِ مصدوماً / ومصدوعاً بأقراصِ الصَّهيلْ». فـ«الشوق» هنا ليس حنيناً فردياً، بل حنينٌ جمعي لوطنٍ مستقرّ أو ماضٍ أقلّ قسوة. غير أنّ هذا الشوق يُصدم ويُصدَع؛ أي يُشقّ ويُفَتّت تحت وطأة «أقراص الصهيل». إنّ ربط الصهيل بـ«الأقراص» يحوّل صوت الخيل (ومن ورائها الآلة العسكرية والدبابات والمركبات المدرّعة) إلى ضربات معدنية متتالية، تشبه الأقراص الصلبة الثقيلة التي تهوي على رأس الشوق، فتشوّش عليه وتمنعه من أن يتبلور في أفق أمل. هكذا تتداخل لغة الحصان (الصهيل) بلغة الحرب الحديثة، فيتحوّل الحنين إلى ضحية مباشرة للآلة العسكرية، ويصبح صوت الشوق خافتاً، مكسوراً، داخل ضجيج الحرب.
بهذا الترابط بين خفوت النجمة، واستنفار الغابة، ورحيل ليلى فوق بحر مضطرب من «الحب والخبز»، ثم تكسّر صوت الشوق تحت ضربات الصهيل، يقدّم الشاعر لوحة افتتاحية متماسكة ترمز إلى لحظة دخول الاحتلال: لحظة ينطفئ فيها الأفق، تُستدعى فيها الضحية إلى مسرح العنف، يُقوَّض فيها أساس العيش الإنساني، ويُسحق فيها الحنين تحت وطأة الجيوش المتقدّمة.
بين جدار الليل وكوّة الكوخ: جدلية العتمة والأمل في مصير ليلى
في جدارِ الليلِ يشتدُّ صراخُ الغابةِ العمياءِ
ليلى تتمنّى أنْ ترى النُّورَ بعيداً
طالعاً منْ كُوَّةِ الْكوخِ البَّعيدْ
في النِّهاياتِ الَّتي تمتدُّ
بينَ الشَّجر الْملتَفِّ بالصَّخرِ
وبالسِّيقانِ في قاعِ الْبحيرهْ
يواصل الشاعر في هذه الأبيات بناء المشهد الكابوسي عبر صورة مكثّفة: «في جدارِ الليلِ يشتدُّ صراخُ الغابةِ العمياءِ». فالليل هنا ليس زمناً فحسب، بل يتحوّل إلى «جدار»، أي إلى حاجز كثيف يُغلِق الأفق ويمنع الرؤية، فيما يصدر من داخله «صراخ الغابة العمياء»؛ والغابة العمياء توحي بعالمٍ مفعم بالفوضى والخوف، يتحرّك ويصرخ دون بصيرة أو اتجاه، في إحالة إلى واقعٍ سياسي/إنساني يتخبّط في الظلام. في قلب هذا المشهد، تظهر ليلى بوصفها ذاتاً متلهّفة على الخلاص: «ليلى تتمنّى أنْ ترى النُّورَ بعيداً / طالعاً منْ كُوَّةِ الْكوخِ البَّعيدْ». لا تبحث ليلى عن انفجار ضوءٍ كاسح، بل عن شعاع متواضع يخرج من «كوّة» في «كوخ بعيد»؛ ما يعني أنّ الأمل هنا محدود، وواهن، لكنه مع ذلك باقٍ، ومتموضع في صورة بيت صغير، هامشي، بعيد عن مركز السلطة والخراب. هذا التصغير المتعمّد للأمل (كوّة/كوخ/بعيد) يضاعف من دلالته: فالخلاص محتمل، لكنه ليس قريباً ولا ميسوراً.
ويزيد الشاعر من تعقيد الصورة في قوله: «في النِّهاياتِ الَّتي تمتدُّ / بينَ الشَّجر الْملتَفِّ بالصَّخرِ / وبالسِّيقانِ في قاعِ الْبحيرهْ». فعبارة «النهايات التي تمتد» تحمل مفارقة دلالية: النهاية حدّ وانقطاع، لكنها هنا «تمتد»، أي تتحوّل إلى أفق طويل من الاحتضار، إلى زمنٍ ممدود من اللاخاتمة. هذا الامتداد يجري «بين الشجر الملتف بالصخر»، حيث تتداخل عناصر الحياة (الشجر) بعناصر القسوة والجمود (الصخر)، بما يصوّر وجوداً محاصَراً: حياة محاطة بكتل صلبة خانقة. أما «السيقان في قاع البحيرة» فيمكن قراءتها بوصفها جذوراً أو أجساداً غارقة، ما يعمّق الإحساس بالاختناق والغرق؛ فثمة قاع مائي يبتلع السيقان/الكائنات، ويحوّل الحركة إلى سكون ثقيل. بهذه البنية المتشابكة –جدار الليل، صراخ الغابة العمياء، كوّة الكوخ البعيد، النهايات الممدودة، الشجر المختنق بالصخر، والسيقان الغارقة– يرسم الشاعر مساراً درامياً لمصير ليلى/العراق: من عتمة مطبقة وصراخ بلا جدوى، إلى أمل ضئيل بعيد، محاط في الآن نفسه بظروف خانقة تجعل اقتراب ذلك الأمل مهمة شبه مستحيلة، من دون أن تلغيه تماماً من أفق التخييل.
ليلى في مرمى العيون وقيس في هامش الحرب: العشق شاهداً على الخراب
هذهِ ليلى تدورْ
بينَ أحداقِ الشَّجرْ،
قيسُ لا ينظرُ مِنْ فوَّهةِ السَّهمِ،
ولكنْ مِنْ زوايا الْعينِ في قافيةِ الْعشقِ
وأصداءِ الْحروفْ.
في هذه الأبيات يقدّم الشاعر مشهداً دلالياً مضاعفاً؛ فـ«هذه ليلى تدور بين أحداق الشجر» ترسم أولاً صورة كائنٍ تائه، يتحرك في دائرة مغلقة، لا يستقرّ على اتجاه. غير أنّ الشجر هنا ليس عنصراً طبيعياً محايداً، بل يُمنح «أحداقاً»؛ أي يتحوّل إلى عيون، إلى شبكات مراقبة ومحاصرة، وكأن ليلى–بوصفها رمزاً للعراق/الضحية– محاصَرة بنظرات الطبيعة/العالم/القوى المحيطة، تُراقَب أكثر مما تُنصَر، وتُشاهَد أكثر مما تُحمى. في المقابل، يحضر قيس بوصفه العاشق التاريخي، لكنه لا يأتي من «فوهة السهم»، أي لا ينظر بعين المقاتل أو من منظار السلاح، فلا يشارك في منطق العنف، بل «من زوايا العين في قافية العشق وأصداء الحروف»؛ أي من هامشٍ إنساني–جمالي يقع خارج مركز الفعل العسكري. هذا التموضع يحمّله وظيفة الشاهد المحبّ: فهو يرى من موقع العاطفة واللغة، من حافة القصيدة لا من فوهة البندقية، فيتحوّل إلى رمز للمثقف/الشاعر/العاشق الذي لا يملك سوى «قافية العشق» و«أصداء الحروف» لمواجهة مأساة ليلى. هكذا ينشأ تضاد لافت: ليلى في قلب دائرة الرصد والخطر، وقيس في هامش المشهد، أسلحته الكلام والحب لا السهام، بما يشي بإدانة ضمنية لعجز العشق والكتابة أمام واقع الاحتلال، مع الإبقاء عليهما مع ذلك كآخر أشكال المقاومة الرمزية الممكنة.
«من قلب ليلى إلى منفى النورس: تحوّل الوطن إلى ظلّ ومصير إلى منفى
لا يرى مِنْ قلبِ ليلى غيرَ ظلٍّ في سوادِ الْورقِ الذَّابلِ
في إسفلتِ هذا الشَّارعِ الْمُظلمِ
والنَّازلِ صوبَ الْجسرِ
والنِّهرِ الَّذي يجري بغيرِ الزَّورقِ الْأبيضِ وسْطَ الْموجِ
والنَّورسُ قد هاجرَ في الْحُلْم صدىً
خلفَ بقاعِ الثَّلجِ مرشوقاً بأنواءِ الْمصيرْ.
يعمّق الشاعر في هذه المقاطع صورة التلاشي الداخلي لليلى/العراق عبر قوله: «لا يرى مِنْ قلبِ ليلى غيرَ ظلٍّ في سوادِ الْورقِ الذَّابلِ»، فالقلب الذي يفترض أن يكون مركز الحياة والحرارة العاطفية لم يعد يُدرَك إلا كـ«ظل» باهت، منطبِع على «ورق ذابل» مسوَّد، بما يوحي بأن حضورها الوجداني والسيادي تحوّل إلى مجرّد أثر باهت في وثائق وخطابات وتواريخ منهكة. ويتّخذ هذا الفقد بعداً مكانياً واضحاً في قوله: «في إسفلتِ هذا الشَّارعِ الْمُظلمِ / والنَّازلِ صوبَ الْجسرِ»، إذ ينتقل الشاعر من الغابة والكوخ إلى مشهد حضري صلد: إسفلت، شارع مظلم، انحدار نحو «الجسر»، كأن الوجود كله يسير نحو نقطة عبور حاسمة لا يُعرَف ما بعدها. غير أنّ النهر الذي يفترض أن يكون معبراً إلى الضفة الأخرى من الخلاص «يجري بغيرِ الزَّورقِ الأبیضِ وسط الموج»، فيغيب رمز العبور الآمن (الزورق الأبيض: السلام، البراءة، النجاة)، ويظلّ النهر فيضاً جارياً بلا وسيلة إنقاذ، ما يعمّق الشعور بالانحباس في الضفة المعتمة. وتبلغ الصورة ذروتها الرمزية باستحضار «النَّورس» الذي «قد هاجرَ في الحلم صدىً / خلف بقاع الثلج مرشوقاً بأنواء المصير»؛ فالنورس –طائر الساحل والحرية والحركة– لم يعد كائناً حياً في فضاء الوطن، بل تحوّل إلى «صدى» بعيد لا يتحقق إلا في الحلم، ثم يُقذَف إلى «بقاع الثلج» البعيدة الباردة، حيث يُرمى «بأنواء المصير»؛ أي تتكفّل به عواصف القدر في منفى قاسٍ. بذلك تتضافر عناصر الصورة كلها لتأكيد فكرة مركزية: قلب ليلى في الداخل لم يبقَ منه إلا ظلّ على ورق ميت، والنهر والجسر لم يعودا طريق نجاة، والنورس رمز الحرية لم يجد مكانه إلا في منفى ثلجي بعيد، فيتحوّل الوطن والإنسان معاً إلى ظلال مكسورة بين شارعٍ مظلم ونهر بلا زورق ومصير منفيّ خارج الجغرافيا والدفء.
ليلى والذئب بين جوع الأرض وذبح القطيع: تفكيك معادلة الراعي الغائب
هذه ليلى، وهذا الذِّئبُ،
في قصةِ جوعِ الْأرضِ للرَّاعي
قطيعاً منْ شياهٍ
في انتظارِ الذَّبحِ بالسَّيفِ..
لساناً ورقابا….
في هذه الأسطر يحسم الشاعر المعادلة الرمزية التي مهّد لها منذ البداية: «هذه ليلى، وهذا الذئب»، فيسمّي الطرفين تسمية مباشرة، مثبتاً ثنائية الضحية/المفترس في صورتها العارية، ومنقلاً الحكاية من مستوى الإيحاء إلى مستوى التصريح. غير أنّ المفارقة الأعمق تظهر في قوله: «في قصةِ جوعِ الأرضِ للرَّاعي»، فالأرض –التي يُفترَض أن تكون موضوع رعاية– تُنسب إليها حالة «الجوع للراعي»، أي جوعٌ إلى قيادة عادلة، وحماية، ونظام يرعى القطيع. غير أنّ هذا الجوع نفسه ينفتح على كارثة: حين تغيب صورة الراعي الحقيقي، تتقدّم صورة الذئب ليملأ الفراغ؛ فيتحوّل احتياج الأرض للراعي إلى فرصةٍ سانحة لافتراسها.
في هذا السياق يَرِد تركيب «قطيعاً من شياهٍ / في انتظارِ الذبحِ بالسيف»، حيث تُختَزل الجماعة/الشعب في صورة قطيع مستسلم، لا يملك من أمره شيئاً، ينتظر الذبح بوصفه قدراً محتوماً. وتأتي إضافة «لساناً ورقابا» لتوسّع معنى الذبح من بعده الجسدي إلى بعدٍ رمزي أشمل: فالذبح يصيب «الرقاب» (الحياة، الجسد، الوجود الفيزيقي) و«اللسان» (الهوية، اللغة، الخطاب، القدرة على الشهادة والاحتجاج). بهذا لا يعود العنف مقتصراً على القتل المادي، بل يشمل أيضاً إسكات الصوت ومحو الذات الثقافية.
تتكوّن لدينا، من خلال هذا المقطع القصير، بنية دلالية مركّبة:
أرض جائعة لراعٍ غائب، وقطيع بلا حماية، وذئب يملأ فراغ السلطة، وذبح يطال الجسد واللغة معاً.
وبذلك يتجاوز الشاعر سرد حكاية «ليلى والذئب» بوصفها مواجهة فردية، ليقدّمها كقصة انهيارٍ شامل لمنظومة الرعاية والعدل، وكمجازٍ عن واقعٍ سياسي تتحوّل فيه الشعوب إلى قطعان معطّلة الإرادة، في ظلّ أرضٍ تستدعي من يرعاها، فلا يأتيها إلا الذئب.
قيس في سعير الكوخ وذبح الورد: احتراق العشق تحت طائرات الأباتشي
آهِ، يا ليلى،
هوَ الْعاشقُ قيسٌ يتلوَّى
منْ سعيرِ الْكوخِ في هاويةِ الْعشقِ
وفي أطرافها عَظْمُ الْحمامْ
ريشةٌ تسقطُ في الشَّوقِ نزيفاً
مِنْ ضلوعِ الْوردِ لمْ يُهدَ،
ولكنْ ذُبِحَتْ أغصانُهُ،
قُطِّعتْ أوصالُهُ،
بينَ دروبِ الْغابةِ الْمفتوحةِ الْأشداقِ والْأحداقِ
في سِرْبِ الأپاتشي….
يفتتح الشاعر هذا المقطع بالنداء: «آهِ، يا ليلى»، ليؤطّر ما يليه في خطاب رثائي مباشر للأنثى–الوطن، قبل أن يقدّم صورة قيس: «هو العاشق قيسٌ يتلوّى / من سعير الكوخ في هاوية العشق». لم يعد قيس عاشقَ البادية الرومانسي، بل كائناً يحترق «من سعير الكوخ»، أي من نارٍ مشتعلة في فضاء السكن البسيط، الكوخ–البيت الشعبي، في إشارة إلى أن العشق نفسه بات يتموضع في «هاوية»؛ فالحب هنا ليس خلاصاً بل سقوطاً معذِّباً. وتتجسّد فظاعة هذه الهاوية في أطرافها حيث «عظم الحمام»؛ فالحمام، رمز السلام والبراءة، لم يبقَ منه سوى العظم، أي أن السلام كقيمة ووجود قد قُتل، ولم يبقَ إلا هيكله. ويستكمل الشاعر هذا الخط التصويري بصورٍ متلاحقة: «ريشةٌ تسقط في الشوق نزيفاً»؛ فالريشة –التي يمكن أن تُقرأ كريش حمام أو كقلم كتابة– لا تسقط سقوطاً عادياً، بل «نزيفاً»، فيرسم بذلك تماهياً بين الدم والحبر والحنين، كأن الشوق نفسه جرح نازف. وهذه الريشة النازفة «من ضلوع الورد لم يُهدَ» تشير إلى وردةٍ كان يفترض أن تُهدى في سياق حب وسلام، لكنها لم تُمنَح لأحد؛ إذ لم يتح للحياة أن تأخذ مسارها الطبيعي، بل إن «أغصانه ذُبحت، قُطّعت أوصاله»، فيتكرّس ذبح الجمال والنعومة والوداعة في صلب المشهد.
هكذا ينتقل العنف من ذبح القطيع سابقاً إلى ذبح الورد نفسه هنا، بما يحوّل الطبيعة الرقيقة إلى ضحية أخرى من ضحايا الحرب. ويُكمِل الشاعر بناء المشهد الكابوسي بقوله: «بين دروب الغابة المفتوحة الأشداق والأحداق / في سرب الأپاتشي»، حيث تعود «الغابة» كفضاء رمزي، لكنها الآن «مفتوحة الأشداق والأحداق»: أفواه وحشية فاغرة وعيون متربصة، في إحالة إلى عالمٍ/نظام دولي/محيط يراقب ويفترس في آن واحد. وتتوجّ هذه الصورة بذكرٍ صريح لـ«سرب الأباتشي»، فيخرج النص من حقل الرموز المجازية الخالصة إلى التسمية المباشرة لآلة الحرب الأميركية. بذلك يتجاور قيس العاشق المحترق في كوخه، والحمام المكسور، والورد المذبوح، مع طائرات الأباتشي في مشهدٍ واحد؛ فيغدو العشق والثقافة والجمال كلّها مكوّنات تحترق تحت واقعٍ عسكري عنيف، وتتحوّل «هاوية العشق» إلى استعارة شاملة لسقوط الإنسان–العاشق في زمن الاحتلال، حيث لا مكان للحمام والورد والكوخ الآمن أمام جبروت «سرب الأباتشي» و«الغابة المفتوحة الأشداق.
راقصة المعبد والملك المهووس وبيلاطس: مسرح الدم و تبرؤ السلطة من الجريمة
هذهِ ليلتُها راقصةُ الْمعبدِ،
هذا الْملكُ الْمهووسُ يسقي الأرضَ بالباقي كؤوساً
من دم المسفوحِ فوق الخشبهْ،
ولسانُ الذَّبحِ ممدودٌ الى أيدي السَّرايا النَّائمهْ
وبيلاطسْ،
ذلك الْهاربُ منْ ذَنْبِ الصَّليبْ
غاسلاً وجهَ يديهِ، صارخاً:
إني بريءٌ من دمِ الْقدِّيس هذا،
فخذوهْ،
وانظروا فيهِ،
ويبقى صامتاً،
يرقبُ فوقَ الْعرشِ تاريخَ الصَّليبْ.
في هذا المقطع ينقل الشاعر المشهد من غابة الحرب وأطراف الكوخ إلى فضاء طقسي–مسرحي كثيف الرموز: «هذه ليلتُها راقصةُ المعبدِ». تُقدَّم ليلى هنا في هيئة «راقصة المعبد»؛ أنثى تُستَخدم في طقس يبدو مقدساً، لكنه في العمق طقس استغلال وعرض. فالمعبد، بوصفه مكاناً للقداسة، يتحول إلى مسرح، والراقصة إلى جسدٍ يُستثمر ضمن طقس دموي، في إحالة إلى استغلال الوطن/العراق في طقوس سياسية–إعلامية تبريرية تُدار فوق دم الضحية.
في مواجهة هذه الراقصة يظهر «الملك المهووس» الذي «يسقي الأرضَ بالباقي كؤوساً من دمٍ مسفوحٍ فوق الخشبة». الملك هنا رمز للسلطة المطلقة، المحلية أو الكونية، التي تتصرّف بهوس وتموضع الحرب في هيئة طقس شرب للدم؛ فالأرض تُسقى دماً كما لو كان نبيذاً، و«الخشبة» تتحول إلى منصة للذبيحة: خشبة مسرح، أو منصة إعدام، أو امتداد لصورة الصليب اللاحقة. هكذا تتخذ الحرب شكل «مسرح مقدس زائف» تُدار فيه طقوس التضحية بالبشر على يد ملك مأخوذ بجنون السلطة.
ويزيد الشاعر وضوح البعد الدموي بقوله: «ولسانُ الذبحِ ممدودٌ إلى أيدي السرايا النائمة». فـ«لسان الذبح» هو حدّ السكين وأداة القتل، وهو هنا ممدود إلى أيدٍ ليست بريئة من الدم؛ إذ تحيل «السرايا النائمة» في سياق ما بعد 2003 إلى الخلايا والتنظيمات المسلحة ذات الطابع الأصولي، وفي مقدمتها تنظيم القاعدة والجماعات المشابهة التي مارست التفجيرات والذبح والقتل الطائفي داخل المشهد العراقي. وبهذا يوسّع الشاعر دائرة المسؤولية؛ فالدم ليس نتاج الملك المهووس وحده، بل تشارك فيه تلك السرايا التي انتقلت من «النوم» إلى ممارسة العنف الأعمى، فالتقطت «لسان الذبح» وأسهمت في تعميق المأساة وتمزيق النسيج الاجتماعي.
عند هذه النقطة يدخل «بيلاطس» إلى المشهد بوصفه رمزاً تاريخياً–دينياً: «ذلك الهارب من ذنب الصليب، غاسلاً وجه يديه، صارخاً: إني بريء من دم القديس هذا، فخذوه، وانظروا فيه». يستدعي الشاعر شخصية بيلاطس البنطي الذي، في الرواية المسيحية، غسل يديه معلناً براءته من دم المسيح. غير أن القصيدة تعرّي هذه البراءة؛ فبيلاطس «هارب من ذنب الصليب»، أي شريك ضمني في الجريمة، يختبئ خلف طقس غسل اليدين والعبارة القانونية–الخطابية. يُسقِط الشاعر هذا النموذج على الواقع السياسي المعاصر، حيث تتنصّل قوى كبرى من مسؤوليتها عن الدماء المسفوكة عبر خطاب قانوني/أخلاقي يسلّم الضحية للجلادين («فخذوه، وانظروا فيه») ثم يتراجع إلى موقع المتفرج.
ويُختَم المشهد بقول الشاعر: «ويبقى صامتاً، يرقبُ فوق العرش تاريخَ الصليب». فـ«بيلاطس» المعاصر، أي سلطة القرار العالمية، يجلس فوق العرش في موقع السيادة، لا يفعل سوى أن يراقب تكرار تاريخ الصلب، أي إعادة إنتاج مشاهد الذبح والتضحية بالشعوب والأبرياء، بصمت ثقيل. هكذا يتشكّل مشهد ثلاثي الطبقات:
– ليلى/راقصة المعبد: الضحية المستثمَرة في طقس الدم،
– الملك المهووس والسرايا النائمة: سلطة قمعية وسرايا مسلحة تشارك بالفعل أو بالصمت في إنتاج المذبحة،
– وبيلاطس: نموذج التبرؤ الكاذب من الدم، يراقب من عرشه «تاريخ الصليب» وهو يتكرر.
بهذا تتحول الحرب على العراق، في هذا المقطع، إلى «مسرح لاهوت سياسي» مقلوب: معبد وراقصة وملك وسرايا وبيلاطس جديد يرفع شعار البراءة، فيما تُدار أمامه أعنف طقوس الذبح والتضحية
من ليلى إلى (أنتم جميعاً): مساءلة الجماعة في ليل الصلب والعويل والدخان
هذهِ ليلتُكم، أنتمْ جميعاً،
فوق صُلبانِ الرَّحيلْ،
ايُّها الرَّكبُ الْموالي لظلامِ الْكأسِ والْموجةِ
والْعاصفةِ الرَّعناءِ، والْعشق الْحرامْ.
هذه ليلتُكمْ،
في الْغابةِ المُختلَّةِ الْأرجاءِ بالرُّعبِ،
وأقدامِ الظَّلامْ،
ودروبِ الْأُفعوانْ…
هذهِ ليلتكُم..
فيضُ عويلٍ مِنْ سراديبِ الْمَلِكْ
والدَّهاليزِ الْعميقهْ
في مزاميرِ الدُّخانْ….
في هذا المقطع ينتقل الشاعر انتقالة حاسمة من خطاب الضحية المفردة (ليلى) إلى خطابٍ جمعي يتوجّه إلى «أنتم جميعاً»، فيقول: «هذه ليلتكم، أنتم جميعاً، فوق صلبان الرحيل». لم تعد الليلة ليلة ليلى فقط، بل باتت ليلة الكل: الجلّاد والضحية، المتفرّج والمتواطئ، الساكت والمشارك. تعبير «فوق صلبان الرحيل» يقدّم الرحيل –الهجرة، النزوح، الفقدان– لا كخيار حرّ، بل كنوعٍ من الصلب الوجودي؛ فالإنسان المقهور مصلوبٌ على صليب الغربة والاقتلاع، وكأن الرحيل نفسه عقوبة وجلد. ويتوجّه الشاعر مباشرة إلى «الرَّكبِ الْموالي لظلام الكأس والموجة والعاصفة الرعناء والعشق الحرام»، فيدين منظومة كاملة من القيم والسلوكيات:
«ظلام الكأس» يحيل إلى سُكرٍ/لاوعي سياسي وأخلاقي، «و الموجة» إلى الانقياد الأعمى للتيارات الإعلامية/السياسية،
«والعاصفة الرعناء» إلى الحروب والقرارات المتهوّرة، «والعشق الحرام» إلى التحالفات والمصالح غير المشروعة.
بهذا يكون الخطاب موجَّهاً إلى قوى وأنظمة وجماهير اختارت الاصطفاف مع العتمة، أو انجرفت معها، فيُحمِّلها الشاعر نصيبها من المسؤولية عن الكارثة.
ويعمّق الشاعر هذا الاتهام حين يعلن مجدّداً: «هذه ليلتكم»، ثم يرسم فضاءها: «في الغابة المختلة الأرجاء بالرعب، وأقدام الظلام، ودروب الأفعوان». الغابة هنا تعود رمزاً للعالم/النظام الدولي، لكنها «مختلّة الأرجاء»؛ أي فقدت توازنها وغاياتها، وصارت مُفكَّكة، تسيطر عليها «أقدام الظلام»؛ فالظلام لم يعد حالة سكونية، بل قوة تمشي وتغزو وتطأ. أما «دروب الأفعوان» فتوحي بطرق متعرّجة، خادعة، مملوءة بالسمّ، في إحالة إلى سياسات ملتوِية، ومؤامرات، وتحالفات سريّة تحكم حركة هذا «الركب» في ليله. ويصل المقطع إلى ذروته في الخاتمة: «هذه ليلتكم.. فيض عويلٍ من سراديب الملك، والدهاليز العميقة، في مزامير الدخان». فالعويل هنا لا يأتي من الشوارع فقط، بل من «سراديب الملك» و«الدهاليز العميقة»: أقبية السلطة، غرف القرار، المخابئ المحصّنة؛ أي من قلب البنى الحاكمة ذاتها. و«مزامير الدخان» عبارة كثيفة تربط بين «المزامير» (أناشيد، تراتيل، نصوص مقدّسة أو خطابية) و«الدخان» (النار، الحرب، الإخفاء، الغموض)، لتشير إلى أن الخطابات التي تُنتَج من تلك الدهاليز –سواء كانت خطاباً دينياً أو سياسياً أو إعلامياً– ليست سوى تراتيل مغطاة بالدخان، تبرّر الخراب وتؤدلجه وتغطي على صوته الحقيقي، الذي يبقى «فيض عويل». بهذه البنية المتماسكة، يغلق الشاعر القصيدة بإعادة توزيع المسؤولية: لم يعد الليل ليل ليلى وحدها، بل ليل الجميع، حيث تتجاور صلبان الرحيل، وغابة الرعب، ودروب الأفعوان، وعويل السراديب، ومزامير الدخان؛ فيتحوّل النص كله إلى شهادة إدانة لزمنٍ كامل، لا لحدث احتلالٍ منفرد فقط.
البنية الرمزية والتناص الديني–السياسي في قصيدة «ليلى والذئب»
نهض قصيدة «ليلى والذئب» لعبد الستار نور علي على بنية رمزية كثيفة تستثمر الحكاية الشعبية، والأسطورة، والدين، والتاريخ، في إعادة تمثيل اللحظة العراقية بعد احتلال 2003. فالقصيدة لا تتعامل مع الحدث السياسي بوصفه واقعة مباشرة، بل تعيد صياغته في صورة نظام علاماتي تتجاور فيه الشخصيات والأمكنة والحركة والظلال لتنتج «أسطورة عراقية» جديدة. من هنا تبرز الحاجة إلى مقاربة تستند إلى البعد البنيوي–السيميائي في تحليل اشتغال الرمز، وإلى البعد السياسي–النفسي في إضاءة الخلفية التاريخية والجرح الجمعي الذي يقوم عليه النص.
يبدأ النص بعنوانه «ليلى والذئب»، وهو عنوان يقوم على قناع رمزي مزدوج؛ فـ«ليلى» لا تُستحضَر بوصفها شخصية تراثية بريئة فحسب، بل بوصفها صورة للعراق–الأنثى، الجريحة، المطاردة، الباحثة عن نور بعيد. و«الذئب» لا يُقرأ باعتباره حيواناً مفترساً، بل قناعاً لقوّة الاحتلال وقوى الفوضى التي اجتاحت البلاد. وبهذا التأسيس، يُدخل العنوان القارئ مباشرة في ثنائية مركزية هي ثنائية الضحية/المفترس، وهي ثنائية تتكرر على امتداد القصيدة وتشكّل محوراً بنيوياً يمكن تتبّعه عبر المستويات المختلفة للنص.
منذ البيت الأول: «خبتِ النجمةُ حين اشتدَّ في الليل عواءُ الذئب»، تتكرّس لحظة الانهيار: انطفاء الضوء وعلوّ صوت المفترس. النجمة علامة الأمل، و«عواء الذئب» علامة الخراب القادم. هذا التوتر بين الضوء والعواء يفتح النص على فضاء رمزي تتداخل فيه الطبيعة مع السياسة، ويتحوّل الليل إلى بنية دلالية تمثل الفوضى والاحتلال. في هذا السياق، تغدو «الغابة» في الأبيات اللاحقة رمزاً لـ«فضاء سياسي مختلّ»، حيث تُستنفَر ليلى «في ثياب الريح»؛ أي في حالة هشاشة وانكشاف، وتُدفَع إلى الرحيل فوق «بحر الحب والخبز»، في إحالة إلى انهيار اليومي وتصدّع البنية المعيشية في مواجهة آلة الحرب.
يتعمّق البناء الرمزي بحضور شخصية قيس، العاشق الذي «لا ينظر من فوهة السهم، ولكن من زوايا العين في قافية العشق». قيس هنا لا يعود مجرّد عاشق تراثي، بل يتشكّل رمزاً للمثقف/الشاعر العراقي الذي يرى الخراب ولا يملك سوى اللغة أداةً للمواجهة. إنّه شاهدٌ عاجز، يراقب ليلى وهي تتحوّل إلى «ظلّ في سواد الورق الذابل»، أي إلى أثر باهت في ذاكرة وطن يتآكل. هذا الانتقال من الجسد إلى الظل، ومن الحضور الحيّ إلى «الورق الذابل»، يكشف البعد النفسي للنص، حيث تتجسّد الصدمة الجماعية في صور الانطفاء والذبول والتلاشي.
وتتسع الدلالة حين ينتقل النص إلى فضاء المدينة: «إسفلت الشارع المظلم»، «النهر بلا زورق أبيض»، «النورس الذي هاجر». هذه الصور لا تُقرأ بوصفها وصفاً طبيعياً، بل بوصفها علامات سياسية تشير إلى مدينة فقدت أمنها، ونهر فقد رمزيته كمعبر آمن، وسلامٍ غادر فضاء الوطن. في هذا المستوى يتجلّى بوضوح عمل القراءة السيميائية في ربط العلامة بسياقها التاريخي والسياسي.
في المقطع الذي يقول فيه الشاعر: «هذه ليلى، وهذا الذئب، في قصة جوع الأرض للراعي»، تتبلور البنية السياسية للقصيدة بأقصى درجات وضوحها. فـ«جوع الأرض للراعي» يشي بعراقٍ بلا قيادة حقيقية، وبلا حماية، وبشعبٍ يُختزَل في صورة «قطيع في انتظار الذبح». والذبح هنا لا يُفهم كاستعارة بعيدة، بل كإحالة مباشرة إلى العنف المنفلت الذي اجتاح البلاد بعد الاحتلال. وتأتي صورة «الملك المهووس» الذي «يسقي الأرض كؤوساً من الدم» لتؤكد هذا المعنى، حيث يتحوّل الحاكم إلى رمز للطغيان الجديد، وتتحوّل الأرض إلى خشبة مسرح تُسفك عليها الدماء.
يبلغ التناص الديني ذروته في استدعاء شخصية بيلاطس البنطي: «غاسلاً وجه يديه، صارخاً: إني بريء من دم القديس هذا». هذا التناص يفتح النص على فضاء ديني–تاريخي واسع يربط بين العراق والمسيح، وبين الاحتلال والصلب، وبين العالم وبيلاطس الذي يغسل يديه من الدم. إنه تناص يكشف تواطؤ القوى الدولية، ويحوّل العراق إلى «قدّيس» يُصلب أمام أنظار عالمٍ يكتفي بإعلان البراءة اللفظية. في هذا الموضع يتجلى بوضوح دور التناص الديني في تعميق البعد الأخلاقي–السياسي للقصيدة.
تكتمل اللوحة حين يعلن الشاعر: «هذه ليلتكم، أنتم جميعاً، فوق صلبان الرحيل». فالصلبان هنا ليست دينية خالصة، بل صلبان سياسية: صلبان المنافي، والتهجير، والرحيل القسري. وتتحوّل الغابة إلى «غابة مختلّة الأرجاء بالرعب»، وتظهر «دروب الأفعوان» و«سراديب الملك» و«مزامير الدخان» بوصفها علامات على دهاليز السياسة الجديدة التي دُفع إليها العراق بعد 2003: طرق ملتوِية، وبُنى سلطة معتمة، وخطابات تخرج من قلب الدخان لتشرعن العنف وتغطي على «فيض العويل».
بهذا تتكامل البنية الرمزية مع التناص الديني–السياسي في إنتاج نص يقوم على تراكب طبقات المعنى:
– طبقة أسطورية: (ليلى/الذئب/الغابة)،
– طبقة سياسية: (الاحتلال/الملك/الأباتشي)،
– طبقة دينية: (بيلاطس/الصلب/القديس)،
– طبقة نفسية: (الخوف/التيه/الظل/النزيف).
وتعمل هذه الطبقات مجتمعة على تحويل التجربة العراقية إلى تراجيديا كونية، تُقرأ فيها الجغرافيا بوصفها قدراً، والتاريخ بوصفه صليباً، والإنسان بوصفه ضحيةً تبحث عن نورٍ بعيد في «كوّة الكوخ». وبهذا تتجاوز القصيدة حدود اللحظة السياسية المباشرة لتغدو نصاً رمزياً مفتوحاً يشتغل على الذاكرة والجرح والهوية، ويعيد صياغة الواقع عبر لغة أسطورية مكثّفة تجعل من الشعر شهادةً على زمنٍ يتداخل فيه الدم مع الأسطورة، والليل مع التاريخ، والرمز مع الحقيقة.
قراءة بنيوية–سيميائية وسياسية–نفسية في قصيدة «ليلى والذئب »
تقدّم قصيدة «ليلى والذئب» علي بنية رمزية كثيفة تعيد تمثيل التجربة العراقية بعد احتلال 2003 عبر شبكة من العلامات يتداخل فيها الأسطوري بالحكائي، والديني بالتاريخي، والذاتي بالمديني، بحيث يغدو النص فضاءً دلالياً متعدّد الطبقات. ومن هنا تبرز أهمية قراءته قراءة بنيوية–سيميائية تكشف انتظام العلامات في نسيجه الداخلي، وقراءة سياسية–نفسية تضيء خلفيته التاريخية والجرح الجمعي الكامن فيه.
ينطلق النص من عنوانه «ليلى والذئب»، القائم على قناع رمزي مزدوج: فـ«ليلى» لا تُفهم هنا بوصفها شخصية بريئة فحسب، بل قناعاً للعراق–الأنثى/الأرض، الجريحة المطاردة الباحثة عن نور. و«الذئب» ليس الحيوان المفترس بل قناع الاحتلال وقوى الفوضى. هكذا يتأسس منذ العتبة الأولى محورٌ بنيوي ضديّ (ضحية/مفترس) يعمل منظِّماً دلالياً يربط بين الصور والمقاطع.
منذ البيت الأول: «خبتِ النجمةُ حين اشتدَّ في الليل عواءُ الذئب»، يستعلن مشهدُ الانهيار: انطفاءُ الضوء وصعودُ صوت الخراب. النجمة علامة أمل، و«عواء الذئب» علامة تهديد، والليل يتحوّل إلى بنية دلالية تُمثِّل الفوضى/الاحتلال. في هذا الإطار تُستَنفَر «ليلى في ثياب الريح»، أي في حالة هشاشة وانكشاف، وتُدفَع إلى الرحيل فوق «بحر الحب والخبز»، في إشارة إلى أنّ أبسط مقوّمات الحياة (العاطفة، العيش اليومي) قد تزلزلت تحت وطأة الحرب. هنا يشتغل التحليل السيميائي على تتبُّع تحوّل عناصر الطبيعة إلى علامات سياسية.
يتعمّق البناء الرمزي بحضور قيس: «لا ينظر من فوهة السهم، ولكن من زوايا العين في قافية العشق». قيس ليس العاشق التراثي فحسب، بل نموذج المثقف/الشاعر العراقي الذي لا يملك في مواجهة الخراب سوى اللغة، فيرى ولا يغيّر، ويشهد ولا يَفعل. تتحوّل ليلى في منظوره إلى «ظل في سواد الورق الذابل»، أي إلى أثر باهت في ذاكرة وطن يتآكل، وهو ما يفتح أفق قراءة نفسية تلاحق آثار الصدمة الجماعية في صور الذبول والانطفاء.
يتسع فضاء القصيدة بالانتقال إلى المدينة: «إسفلت الشارع المظلم»، «النهر بلا زورق أبيض»، «النورس الذي هاجر». هذه ليست لوحات طبيعية بل علامات على مدينة مهدّدة، ونهر فقد رمزيته كمعبر آمن، وسلامٍ منفيّ. يتوازى ذلك مع التصريح بالمعادلة الرمزية: «هذه ليلى، وهذا الذئب، في قصة جوع الأرض للراعي». الأرض الجائعة للراعي هي عراق بلا قيادة حامية، وشعبٌ «قطيع في انتظار الذبح»، بما يحيل مباشرة إلى العنف والانهيار الأمني بعد 2003.
يتبلور البعد السياسي–الأسطوري أكثر في صورة «الملك المهووس» الذي «يسقي الأرض كؤوساً من دم مسفوح فوق الخشبة»، حيث تغدو الحرب طقساً دموياً يُدار فوق خشبة مسرح/صليب، وتتحوّل الأرض إلى مسرحٍ مفتوح للذبيحة. ويبلغ التناص الديني ذروته في استدعاء بيلاطس البنطي: «غاسلاً وجه يديه، صارخاً: إني بريء من دم القديس هذا»، بما يربط بين مأساة العراق ومشهد صلب المسيح، ويرمز إلى القوى الدولية التي تغسل يديها من الدم وهي في قلب ماكينة القرار. هكذا يغدو العراق «قدّيساً» يُصلب أمام أعين عالم يتواطأ بالصمت أو بالتبرير.
في الخاتمة، ينقل الشاعر الخطاب من «ليلها» إلى «ليلتكم أنتم جميعاً»: «فوق صلبان الرحيل». الصلبان هنا صلبان المنفى والتهجير والاقتلاع، لا الصليب الديني وحده. تتحوّل الغابة إلى «غابة مختلّة الأرجاء بالرعب»، وتظهر «دروب الأفعوان» و«سراديب الملك» و«مزامير الدخان» علاماتٍ على دهاليز السياسة الجديدة: مسارات ملتوِية، أنظمة رعب، وخطابات (مزامير) تخرج من قلب الدخان لتشرعن العنف وتغطي على «فيض العويل».
بهذا تتكامل مستويات القراءة البنيوية–السيميائية مع الأبعاد السياسية والنفسية، لتكشف أن القصيدة لا تكتفي بوصف الحدث العراقي، بل تعيد كتابته بلغة أسطورية مكثفة تجعل من التجربة المحلية تراجيديا كونية؛ حيث تُقرأ الجغرافيا بوصفها قدراً، والتاريخ بوصفه صليباً، والإنسان بوصفه ضحية تبحث عن نورٍ بعيد في «كوّة الكوخ». وهكذا يتبدّى النص بنية رمزية مفتوحة تتجاوز لحظة 2003 لتندرج في سردية أعمق عن الجرح والهوية والذاكرة.
خاتمة
تُظهر القراءة المتكاملة لقصيدة «ليلى والذئب» أنّ النص يقوم على بنية رمزية محكمة تعيد تمثيل التجربة العراقية بعد 2003 ضمن منظومة دلالية يتشابك فيها الرمز بالسياق، والذات بالفضاء الجمعي. لا يتعامل الشاعر مع الاحتلال بوصفه واقعة سياسية فحسب، بل لحظة تأسيسية لإعادة تشكيل الوعي، وهو ما يفسّر لجوءه إلى بناء أسطوري–رمزي يستثمر الحكاية الشعبية والدين والتاريخ لتوليد خطاب شعري قادر على احتواء الصدمة وتمثيلها.
كشف المنهج البنيوي عن مركزية ثنائية «ليلى/الذئب» بوصفها محوراً دلالياً تتفرّع عنه ثنائيات أخرى: نور/ظلام، ضحية/مفترس، مدينة/غابة، عشق/ذبح. وتبيّن عبر التحليل السيميائي أنّ العلامات الكبرى—مثل الغابة، والليل، والكوخ، والنورس، والشارع المظلم، والصلب، وبيلاطس—تنتظم في شبكة واحدة تُحوّل الحدث التاريخي إلى سردية رمزية ذات طابع كوني.
أما البعد السياسي فليس طبقة خارجية، بل جزء من نسيج النص؛ إذ تتجسّد آثار الاحتلال في صور الذبح والدم والملك المهووس والأباتشي والغابة المختلّة، بما يعيد تمثيل انهيار الدولة وتحوّل المدينة إلى فضاء للرعب، ويُظهر رؤية شعرية تُحمّل الاحتلال والسلطة معاً مسؤولية التفكك. وفي المستوى النفسي، تجلّت الصدمة الجماعية في صور الظل والذبول والنزيف والتيه؛ فليلى ذات مجروحة تبحث عن خلاص بعيد، وقيس ضمير مأزوم يراقب الخراب عاجزاً عن الفعل، بما يؤكد وظيفة الشعر في محاولة ترميم الوعي الفردي والجماعي.
إن تضافر القراءات البنيوية والسيميائية والسياسية والنفسية يبيّن أن «ليلى والذئب» نصّ متعدّد الطبقات لا يُجدي معه منهج أحادي، لأنه يعيد بناء الواقع عبر لغة رمزية كثيفة تجعل من التجربة العراقية تراجيديا ذات أبعاد كونية؛ تُقرأ فيها الجغرافيا قدراً، والتاريخ صليباً، والإنسان ضحية تبحث عن نورٍ في «كوّة الكوخ». وبهذا تقدّم القصيدة نموذجاً لشعر يدمج بين الجمالي والتاريخي، ويجعل من الرمز أداة لإعادة بناء الوعي في زمن الانهيار.
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd-online.com/?p=87927
مقالات قد تهمك












