عقلية الإقصاء والكرد كـ”بيضة قبان” لاستقرار سوريا والمنطقة

محمد أرسلان علي

مع التوقيع على اتفاق 29 كانون الثاني/يناير 2026 بين الحكومة السورية المؤقتة برئاسة أحمد الشرع وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، دخل الكرد في سوريا مرحلة جديدة وعدت بحل سياسي شامل للأزمة التي طال أمدها. لكن أكثر من عشرة أشهر مرت على الاتفاق، وما زال الكرد يواجهون عقلية إقصائية مؤسساتية تعيد إنتاج أسوأ سياسات الماضي البعثي. ويمكن تحليل هاتين العقليتين وكذلك التماثلات بين مشروعَيْ “الهلالين”، محمد طلب هلال، مهندس سياسات التعريب في ستينيات القرن الماضي، وأحمد هلال المتحدث باسم الرئاسة لتنفيذ الاتفاق.
في الثامن من كانون الأول/ديسمبر 2024، سقط نظام بشار الأسد بعد أكثر من عقد من الحرب المدمرة. جاءت حكومة مؤقتة جديدة برئاسة أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني سابقًا)، وأعلنت عزمها بناء سوريا جديدة على أساس العدالة والمواطنة. وكان الاتفاق الذي وقّعته مع قوات سوريا الديمقراطية في 29 كانون الثاني/يناير 2026 مفصليًا، نصّ على اندماج قوات قسد في الجيش السوري على مراحل، ودمج مؤسسات الإدارة الذاتية في مؤسسات الدولة، ومعالجة ملف المحتجزين، وضمان الحقوق الثقافية للكرد.
لكن بعد مضي أكثر من عشرة أشهر، ما زال الكرد ينتظرون ترجمة هذا الاتفاق على أرض الواقع. الإشكال لا يكمن في نصوص الاتفاق، بل في العقلية التي تحاول تنفيذه. إنها نفس العقلية التي جسّدها ضابط الأمن السياسي البعثي محمد طلب هلال منذ ستينيات القرن الماضي، وتجد اليوم تجسيدًا جديدًا في شخصية أحمد هلال، المتحدث باسم الفريق الرئاسي المكلّف بتنفيذ الاتفاق. يقع الكرد اليوم “بين فكّي هلالَيْن” متطابقين في الإيديولوجية، وإن اختلف الزمان والمكان.
قبل تحليل عقلية الإقصاء، لا بد من الإقرار بأن صعود أحمد الشرع إلى سدة الحكم في سوريا لم يكن نتاج إرادة شعبية خالصة، بل نتاج توازنات إقليمية ودولية معقدة. توالت الاعترافات الدولية بشرعيته، وحظي بدعم إقليمي من دول الخليج التي تريد لسوريا أن تكون حليفًا موثوقًا في مواجهة النفوذ الإيراني. والأكثر إثارة للجدل، هو أن صفوف الإدارة الجديدة تضم عناصر من بقايا جبهة النصرة وتنظيم داعش: مرتزقة وإرهابيون سابقون أعادت الظروف الجغرافيا السياسية ترتيب أوراقهم كلاعبين شرعيين.
هذه الحقيقة لا ينبغي أن تختزل الواقع، لكنها تضع النقاط على الحروف، القيادة الحالية في دمشق لم تُنتخب على أساس برنامج ديمقراطي واضح، وما زال الكثيرون في صفوفها يحملون عقلية إسلاموية وقومجية عروبية لا تتقبل الآخرين. ومع ذلك، فإن الالتزام بتنفيذ اتفاق 29 كانون الثاني ليس مسألة خيار بقدر ما هو ضرورة أملاها الواقع والمجتمع الدولي، الذي يعوّل على “قسد” كقوة أساسية في الحرب ضد الإرهاب وتسوية الأزمة السورية.
لفهم جذور عقلية الإقصاء الحالية، لا بد من العودة إلى مشروع محمد طلب هلال، ضابط الأمن السياسي في محافظة الحسكة. في تشرين الثاني/نوفمبر 1963، قدّم هلال تقريرًا مفصّلًا إلى النظام البعثي الجديد، يطرح فيه “المشكلة الكردية” وحلولها. كانت غاية المشروع الأساسية “طمس معالم الهوية التاريخية للجزيرة الكردستانية”، ومحو كل أثر له علاقة بذاكرة تلك الهوية أرضًا وشعبًا:
– تعريب أسماء القرى والبلدات الكردية.
– توزيع أراضي الكرد على مستوطنين عرب تم استقدامهم من محافظات سورية أخرى ضمن ما عُرف بـ”مشروع الحزام العربي”.
– بناء سياج عروبي حول موطن الشعب الكردي وعزله نهائيًا عن محيطه الكوردستاني، بهدف خنقه والقضاء عليه.
– منع التخاطب باللغة الأم، وحظر التدريس باللغة الكردية، ومنع الموسيقا القومية الكردية والمطبوعات.
هذا المشروع لم يبقَ مجرد أطروحة نظرية، بل “حُوّل إلى عمل ممنهج على أرض الواقع”، بدءًا من سبعينيات القرن الماضي، وترك آثاره الكارثية المدمرة على الكرد لسنوات طويلة. وكان طلب هلال أفضل من “مثّل نظرة فكر البعث التي هدفت إلى إذابة العنصر الكردي في بوتقة العروبة”. مشروعه ليس مجرد وثيقة عفا عليها الزمن، بل “بذرة عنصرية ظلّت تنمو في جسد الدولة السورية لعقود”.
بعد سقوط النظام البعثي، كان المأمول أن تنتهي صلاحية مشروع محمد طلب هلال إلى الأبد. لكن الفاجعة أن “العقلية نفسها عادت، بلبوس جديد”، في شخصية أحمد هلال المتحدث باسم الفريق الرئاسي لتنفيذ اتفاق 29 كانون الثاني. بالاطلاع على تصريحاته ومواقفه، يمكن تلمّس تماثلات صارخة، وتجلي ذلك في رفض اللغة الكردية. حيث رفض المبعوث الرئاسي أحمد هلال استخدام اللغة الكردية في اللافتات الرسمية للمؤسسات في المناطق الكردية، متمسّكًا بالعربية فقط. هذا الموقف ليس مجرد خيار إداري محايد، بل هو إعادة إنتاج مباشر لسياسة “محو الهوية” التي مارسها سلفه البعثي؛ فمنع اللغة الكردية من الظهور في الفضاء العام هو نفي لوجود الشعب الكردي نفسه.
وكذلك المماطلة في ملف الأسرى. وعلى الرغم من تنفيذ دفعات متبادلة من الأسرى، إلا أن أعداد الأسرى الكرد الذين لم يُفرج عنهم بعد هي أكبر بكثير من الذين أُطلق سراحهم. ورغم أن تقارير إعلامية تحدثت عن إفراج عن “مئات المعتقلين”، فإن غالبية المفرج عنهم هم من العرب. الأسرى الكرد الذين لا يزالون في سجون دمشق يمثلون ورقة ضغط سياسية تمنع الحكومة من تنفيذ التزاماتها الكاملة.
وحدات حماية المرأة (YPJ) ليست مجرد تشكيل عسكري. تأسست عام 2013، وبلغ تعدادها نحو 24 ألف مقاتلة، وكانت في طليعة القوات التي حاربت تنظيم داعش الإرهابي دوليًا. لعبت دورًا محوريًا في معركة كوباني 2014، وشاركت في تحرير منبج والرقة، وأنقذت آلاف الإيزيديين في شنكال. استشهدت آلاف المقاتلات، وأصبحت YPJ نموذجًا عالميًا فريدًا لتمكين المرأة في منطقة يرى فيها التقليديون النساء مجرد “سلعة” ومكانهن فقط المنزل وخدمة الزوج وإنجاب الأولاد.
في مقابل هذا النموذج النسوي التحرري، موقف الحكومة المؤقتة لا يختلف عن الموروث الأبوي البائس. حيث رفضت الحكومة منح وحدات حماية المرأة وضعًا مستقلاً ضمن هيكلية الجيش السوري. وأصرّت على دمجهن فقط ضمن قوى الأمن الداخلي (الشرطة النسائية)، وهو ما يعني تجريدهن من دورهن العسكري والسياسي. إن موقف الحكومة المؤقتة “لا يختلف عن العقليات الحاكمة السابقة في سوريا”، ويعكس “رفضًا لدور المرأة في مستقبل سوريا”.
بينما ينتهج الكرد سلوكًا ديمقراطيًا يعطي حقوق المرأة وينظر إليها كإنسانة قبل أن تكون جسدًا، فإن الحكومة المؤقتة لا تزال عالقة في أسر عقلية أبوية إقصائية. وهذا التناقض الجوهري يهدد فكرة “الدمج” ذاتها.
باتت سوريا اليوم هي مسرح لصدام نموذجين متناقضين. الأوّل (التقليدي، الأبوي، القوموي، الإسلاموي) الذي يمثله أحمد الشرع وأحمد هلال، يحاول حصر الهوية في إطار واحد (عربي-إسلامي)، وينظر إلى التنوع كتهديد وليس كثراء، ويرى في المرأة مجرد “جسد” وليس فاعلاً سياسيًا، ويكرّر ثنائية “المركز/الهامش” التي مارسها البعث لسنوات. أما الثاني (الديمقراطي، التعددي، النسوي) الذي يجسّده مشروع الإدارة الذاتية الكردية، يُقرّ بالتنوع القومي والثقافي والديني كأساس للدولة، ويجعل من تمكين المرأة ركيزة أساسية في مشروعه السياسي، ويؤمن بالمواطنة المتساوية لا بالتبعية للهيمنة المركزية.
الحقيقة غير المريحة أن الكرد اليوم تحوّلوا إلى “بيضة القبان” في استقرار سوريا والمنطقة بأكملها. فمن جهة، هم القوة البرّية الفاعلة الوحيدة التي حاربت داعش وأنقذت المنطقة من الإرهاب العابر للحدود. ومن جهة ثانية، يشكّلون عقبة أمام مشروع المركزية الصارمة الذي تروّج له دمشق.
هذا الوضع يضع الكرد أمام معضلة وجودية “الاندماج في دولة لا تعترف بهم كشركاء متساوين” أم “التمسك بالادارة الذاتية في مواجهة إرادة المركز”. الخياران كلاهما محفوف بالمخاطر.
إن استمرار عقلية “الهلالين” (محمد طلب هلال، وأحمد هلال) لن يفضي إلا إلى “مزيد من التوتر وإعادة إنتاج الصراع”. التاريخ أثبت أن سياسات التعريب والإقصاء لم تنجح في طمس الهوية الكردية؛ بل زادتها قوة ونضجًا سياسيًا. الكرد لم يعودوا مجرد أقلية قابلة للاستيعاب في بوتقة المركزية السورية، بل صاروا فاعلاً أساسيًا لا يمكن تجاوزه في معادلة الاستقرار الوطني والإقليمي.
إذا أرادت القيادة الحالية في دمشق أن ترقى إلى مستوى التحديات التي تواجه سوريا الجديدة، فعليها الاعتراف بالحقوق الثقافية والسياسية للكرد كجزء لا يتجزأ من النسيج السوري. ووقف المماطلة في ملف الأسرى وإطلاق سراح جميع المعتقلين الكرد دون استثناء. والأهم قبول وحدات حماية المرأة كقوة عسكرية مستقلة ضمن هيكلية الجيش السوري، أو كحد أدنى بضمانات صارمة تحمي وجودها ودورها. وإلغاء كل القوانين والسياسات التي تعيد إنتاج مشروع التعريب، وفتح الباب أمام التعليم باللغة الكردية واستخدامها كلغة رسمية في المناطق الكردية. وتحويل الاتفاقات إلى واقع فعلي وليس نصوصًا على الورق، من خلال آليات تنفيذ واضحة وشفافة.
البديل هو استمرار الأزمة، بل وتفاقمها، مع كل ما يعنيه ذلك من تداعيات على المنطقة برمتها. الكرد ليسوا عدوًا يوجب إقصاؤهم، بل حليف أساسي في مواجهة التطرف والإرهاب، ولن تتحقق “سوريا الجديدة” دون الاعتراف بحقهم في الاختلاف والتمثيل المتساوي. وليعلم من في السلطة المؤقتة بأن الهوية لا تُلغى بالمراسيم، والمرأة لا تعود إلى القفص، والحقوق لا تسقط بالتقادم.

 

الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين

Scroll to Top