لا تبدو لحظة التحول السياسي في سوريا مجرد انتقال إداري أو إعادة تشكيل لمؤسسات الدولة، بل تبدو أقرب إلى اختبار عميق لقدرة السوريين على بناء عقد سياسي جديد يتجاوز إرث الاستبداد والانقسام. وفي هذا السياق، يبرز الحديث عن مجلس الشعب المرتقب بوصفه أكثر من مجرد هيئة تشريعية، إذ يرتبط النقاش حوله بطبيعة المرحلة الانتقالية نفسها، وبالسؤال الأوسع المتعلق بشكل الديمقراطية المنشودة وآليات الوصول إليها.
فالسوريون اليوم لا يناقشون فقط شكل البرلمان المقبل، بل يناقشون أيضاً معنى التمثيل السياسي، وحدود المرحلة الانتقالية، وإمكانية بناء مؤسسات شرعية في بلد ما يزال يرزح تحت أعباء الحرب والنزوح والانقسام المجتمعي. وبين التفاؤل بإمكانية فتح مسار وطني جديد، والقلق من إعادة إنتاج أنماط السلطة القديمة، تتباين القراءات حول المجلس المرتقب ودوره في إعادة بناء الدولة.
في هذا الإطار، يؤكد الدكتور ياسر الخطيب، وهو خبير قانوني من اللاذقية، أن السوريين يقفون أمام لحظة تاريخية معقدة لكنها تحمل فرصة حقيقية لإعادة تأسيس الدولة السورية على أسس وطنية جديدة، معتبراً أن مجلس الشعب المرتقب لا يمثل مجرد مؤسسة تشريعية، بل “رمزاً لاستعادة السيادة الشعبية بعد عقود طويلة من تغييبها”.
ويرى الخطيب أن خصوصية المجلس تنبع من كونه الأول بعد سقوط النظام السابق، إضافة إلى أن تركيبته الحالية، التي تضم 210 أعضاء، ثلثاهم منتخبون عبر هيئات ناخبة والثلث الآخر يُعيّن رئاسياً، تعكس طبيعة المرحلة الانتقالية وتعقيداتها، خاصة في ظل وجود أكثر من ثمانية ملايين نازح ولاجئ، وغياب قاعدة بيانات انتخابية متكاملة.
ويضيف أن المجلس يمتلك صلاحيات واسعة تشمل اقتراح القوانين وإقرارها، وتعديل التشريعات السابقة أو إلغائها، والمصادقة على المعاهدات الدولية، وإقرار الموازنة العامة والعفو العام، معتبراً أن هذه الصلاحيات تمنحه القدرة على قيادة ما وصفه بـ”الثورة التشريعية” لمعالجة الإرث القانوني والسياسي الذي خلّفه النظام السابق.
ورغم ذلك، لا يُخفي الخطيب مخاوفه من بطء استكمال تشكيل المجلس، قائلاً: “يجب أن نكون صادقين مع أنفسنا، فالتأخير في استكمال التشكيل وانعقاد المجلس يطرح تساؤلات مشروعة، كما أن الثلث المعيّن رئاسياً لم يُعلن عنه بعد رغم مرور أشهر على الانتخابات، وهذا التأخير، حتى وإن بُرّر بالحرص على اختيار الكفاءات، يُضعف الزخم السياسي ويبطئ عملية التحول الديمقراطي”.
ويشير الخطيب إلى أن المهمة الأساسية للمجلس ستكون الإسهام في صياغة دستور دائم للبلاد، ما يعني أن الحديث لا يدور حول “برلمان عادي”، بل حول مؤسسة تأسيسية معنية بإعادة رسم شكل الدولة السورية المقبلة. ويضيف أن التحدي الحقيقي يكمن في الانتقال من “عقلية الثورة إلى عقلية الدولة”، وأن المجلس مطالب بأن يكون مساحة للحوار الوطني لا ساحة لإعادة إنتاج الانقسامات السابقة، مؤكداً أن التفعيل الوطني الحقيقي يتطلب من النواب تجاوز الاعتبارات المناطقية والطائفية، وتمثيل السوريين بوصفهم شعباً واحداً.
ويختم حديثه بالقول: “من اللاذقية، التي عانت طويلاً من العزلة السياسية والاقتصادية، أرى في هذا المجلس فرصة لإعادة دمج الساحل السوري في المشروع الوطني الجديد، لكن ذلك يحتاج إلى إرادة حقيقية للتغيير، وشفافية كاملة، وإشراك جميع المكونات السورية دون إقصاء. فالمجلس المرتقب إما أن يكون جسراً نحو المستقبل، أو إعادة إنتاج للماضي بصيغة مختلفة”.
في المقابل، تنظر الناشطة الحقوقية ريم سعيد، من اللاذقية، إلى المشهد بقدر أكبر من الحذر، معتبرة أن التفاؤل المبالغ فيه تجاه المرحلة المقبلة لا يستند إلى معطيات واقعية كافية، رغم احترامها لما تصفه بـ”التفاؤل الحذر” لدى بعض السوريين.
وتقول سعيد إن المخاوف الأساسية تتعلق بآلية تشكيل المجلس وطبيعة النظام الانتخابي المعتمد، موضحة أن ما يُسمّى “النموذج السوري الفريد” يقوم عملياً على انتخابات غير مباشرة عبر هيئات ناخبة يشكل الأعيان والوجهاء نحو 30 بالمئة من مكوناتها، معتبرة أن هذه الآلية قد تُكرّس البنية التقليدية ذاتها التي ثار السوريون ضدها.
وتضيف: “بدلاً من أن تكون هذه الآلية مرحلة انتقالية ضرورية، قد تتحول إلى وسيلة لإعادة توزيع السلطة وفق منطق الفرز المجتمعي والتفاهمات الضيقة. والسؤال هنا: أين المواطن العادي؟ أين الشباب والنساء والنازحون الذين لا يملكون نفوذاً داخل اللجان الفرعية؟ ما يجري لا يعكس تمثيلاً شعبياً حقيقياً، بل قد يعيد إنتاج هياكل السلطة القديمة بأشكال جديدة”.
وترى سعيد أن استمرار التأخير في استكمال تشكيل المجلس يثير تساؤلات جدية حول طبيعة المرحلة المقبلة، قائلة: “هل التأخير مرتبط فعلاً بضبط العملية كما يُقال، أم أنه محاولة لضمان هيمنة تيار سياسي واحد على المجلس؟”.
كما تُبدي تشككها في قدرة مجلس تشكّل بهذه الآلية على إنتاج دستور ديمقراطي توافقي، معتبرة أن الدستور يحتاج إلى إجماع وطني واسع، لا إلى “أغلبية برلمانية مُصنّعة”، على حد وصفها، خاصة أن مدة الولاية المحددة بثلاثين شهراً قابلة للتجديد، ما قد يفتح الباب أمام إطالة المرحلة الانتقالية دون سقف واضح.
وتختتم سعيد حديثها بالقول: “أنا لا أنكر الحاجة إلى سلطة تشريعية، لكنني أرفض وصف ما جرى بالديمقراطية. ما نراه حتى الآن مجلس يفتقر إلى الشرعية الشعبية الكاملة، ويعيد إنتاج الأنماط القديمة تحت غطاء المرحلة الانتقالية. التفعيل الوطني الحقيقي يبدأ بالاعتراف بالأخطاء، وإعادة النظر في الآلية الانتخابية، وضمان تمثيل حقيقي للنساء والأقليات والنازحين، لا بالاكتفاء بالشعارات والمصطلحات البرّاقة”.
وفي المحصلة، يبدو أن الجدل حول مجلس الشعب المرتقب يتجاوز حدود النقاش البرلماني التقليدي، ليعكس أزمة أعمق تتعلق بشكل الدولة السورية المقبلة، وحدود التوافق الوطني الممكن في مرحلة انتقالية شديدة الحساسية. فالمجلس، بتركيبته الحالية وآلياته الانتخابية، يعكس التوازن الصعب بين ضرورات الاستقرار ومتطلبات الديمقراطية، وبين الحاجة إلى مؤسسات انتقالية فاعلة والمخاوف من إعادة إنتاج منظومات السلطة القديمة.
ومع أن السوريين ينتظرون مساراً سياسياً أكثر شمولاً وتشاركية، فإن كثيرين ما يزالون يأملون بأن يتحول المجلس المرتقب إلى بوابة لبناء سلطة تشريعية وطنية تُسهم في إعادة تأسيس سوريا على أسس الديمقراطية والتعددية واللامركزية، بعيداً عن الإقصاء والهيمنة والانقسامات التي أنهكت البلاد طوال السنوات الماضية.
معن جبلاوي- اللاذقية
المصدر: مجلس سوريا الديمقراطية “مسد”
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd-online.com/?p=87732
مقالات قد تهمك











