بقلم: رياض درار
بنود الاتفاق في 29 كانون الثاني/يناير 2025 بين الحكومة السورية المؤقتة وقوات سوريا الديمقراطية
توزّعت بنود الاتفاق الموقع
في 29 كانون الثاني/يناير 2025 بين الحكومة السورية المؤقتة وقوات سوريا الديمقراطية على أربع مراحل تنفيذية ضمن مهلة شهر واحد، تشمل وقف إطلاق النار، الانسحاب، دمج المؤسسات، وتنظيم المرافق المدنية والأمنية، تليها مرحلة خامسة تتضمن التزامات دائمة بعد انتهاء المهلة الزمنية. ومع انقضاء نصف مدة التنفيذ، برزت خطوات يمكن توصيفها بالإيجابية، ما يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول المستفيدين والمتضررين من هذا الاتفاق.
يُعدّ المدنيون في شمال وشرق البلاد أول المستفيدين من وقف العنف والاشتباكات، وما يرافق ذلك من تهيئة بيئة أكثر أماناً واستقراراً تسهم في تخفيف المعاناة اليومية. كما تستفيد قوات سوريا الديمقراطية والمكوّنات المحلية من الإبقاء على مؤسسات مدنية جزئية وحقوق ثقافية ضمن إطار الدولة، بدل البقاء في موقع الهامشية المطلقة، مع إتاحة فرصة المشاركة في إعادة بناء المؤسسات المدنية والعسكرية. وفي المقابل، تستفيد دمشق والحكومة السورية المؤقتة من تعزيز سيادة الدولة ووحدة الأراضي، وعودة مؤسساتها إلى مناطق كانت تُدار بشكل شبه مستقل، إضافة إلى تقليل التوتر العسكري المباشر والخسائر الميدانية التي تطال جميع الأطراف. حتى المجتمع الدولي يُعد من المستفيدين، من خلال تجنّب اندلاع حرب واسعة جديدة في المنطقة، وتحقيق قدر من الاستقرار ضمن إطار سياسي يخدم مصالح قوى دولية وإقليمية متعددة.
من جهة أخرى، لا حاجة للإسهاب في الحديث عن الفئات المتضررة، وفي مقدمتها المكوّنات الراديكالية من مختلف الأطراف، تلك التي تطالب إما بحكم ذاتي مغلق أو بسيطرة شمولية على كامل البلاد. كما تتضرر الفصائل المسلحة المعارضة والحليفة لتركيا أو لقوى خارجية، إذ يضعف هذا الاتفاق نفوذها في الشمال والشرق، ويدفع باتجاه احتواء دمشق لقسد ضمن ترتيبات الدولة.
ويبرز كذلك قلق بعض السكان المحليين الذين يخشون فقدان هويتهم الثقافية أو حقوقهم الخاصة، في ظل شكوك تحيط بمدى الالتزام الفعلي بحفظ الحقوق الثقافية واللغوية مقابل الاكتفاء بالنصوص القانونية.
يحمل الاتفاق جملة من الإيجابيات، أبرزها الوقف الفوري للعنف وتقليل الخسائر البشرية، باعتباره خطوة نحو استقرار نسبي ومفاوضات سياسية قد تفتح الباب أمام دمج مؤسسات الإدارة الذاتية والجيش ضمن إطار الدولة السورية. كما يتيح فرصاً لعودة المهجّرين، وتحسين الخدمات المدنية، وتسهيل تسوية أوضاعهم، إلى جانب إعادة سيطرة الدولة على الموارد والمفاصل الاقتصادية، بما فيها الحقول النفطية والمرافق الأساسية.
في المقابل، لا يخلو تنفيذ الاتفاق من سلبيات ومخاطر محتملة، أبرزها احتمال مواجهة مقاومة ميدانية أو تباطؤ في التنفيذ، إضافة إلى الخلافات حول تفسير بعض البنود، ولا سيما ما يتعلق بحدود الصلاحيات، والأطر الأمنية، والتعامل مع المسائل الدستورية، وهي عوامل قد تخلق احتكاكات مستمرة وتحديات طويلة الأمد.
أما التوقعات المحتملة، ففي حال نجاح التنسيق الأمني والإداري، قد يشكّل الاتفاق بداية لمرحلة استقرار نسبي طويل الأمد في شمال وشرق سوريا، مع إمكانية توسيع الحوار السياسي الداخلي، واستخدام الاتفاق كقاطرة لإشراك مزيد من الفصائل في المسار السياسي، والدفع نحو إصلاحات دستورية وسياسية أوسع. فالخلاصة أن الاتفاق يمثل محاولة مهمة لإنهاء النزاع بين دمشق و«قسد»، بما يحمله من إيجابيات في الحد من العنف واستعادة سيادة الدولة، ويفتح، نظرياً، الباب أمام بداية فعلية لإصلاحات دستورية، ولكن في إطار مؤسسي مرحلي ينتقل من مرحلة انتقالية دستورية إلى مأسسة الحقوق الأساسية، وربط حقوق المكوّنات بالعمل القانوني والدستوري. وهذا يعني أن أي إصلاحات دستورية مستقبلية يجب أن تعكس هذه الحقوق، مع الإقرار بوجود واقع سياسي صعب، إذ إن الإصلاحات الدستورية الحقيقية لا تتحقق بمجرد نصوص مكتوبة، بل تتطلب حواراً سياسياً شاملاً يضم مختلف القوى السياسية والمجتمعية. وحتى الآن، لا يزال غياب إطار تفاوض وطني شامل ومستقل، ومعترف به من جميع الأطراف، عائقاً أمام تحديث الدستور بشكل جذري.
في المحصلة، يشكّل الاتفاق خطوة مهمة نحو توسيع الشراكة السياسية في سوريا بعد أكثر من عقد من الحرب، لكنه لا يُعد ضماناً تلقائياً لعملية سياسية شاملة أو لإصلاح دستوري كامل، ما لم تتوافر آليات تنفيذ واضحة، وحوار وطني جامع، وضغوط دولية متوازنة.
دور مجلس سوريا الديمقراطية
يتمتع مجلس سوريا الديمقراطية (مسد) بموقع فريد لا تملكه أي جهة أخرى في المشهد السوري الراهن؛ فهو ليس قوة عسكرية، وليس معارضة تقليدية، وفي الوقت ذاته لا يُعد جزءاً من بنية السلطة المركزية. هذه المنطقة الرمادية تحديداً هي مصدر قوته السياسية، وتطرح السؤال حول الكيفية التي يمكن من خلالها لمسـد أن يؤدي دوراً دافعاً وحقيقياً للعملية السياسية.
إن هذا الموقع الفريد يجعل من مسد جسراً لا طرفاً، فهو جسم سياسي تفاوضي، وشريك في الترتيبات السياسية، يمكن تقديمه كقوة حوار وطني. ويتيح له ذلك التحرك بوصفه «جسراً سياسياً» بين دمشق وقوى شمال وشرق سوريا، وبين قوى معارضة وطنية غير مسلحة، وشخصيات مستقلة، وتيارات مدنية. وهو دور لا تستطيع قوات سوريا الديمقراطية القيام به بحكم طبيعتها العسكرية.
ويمكن لمسـد أن يدفع العملية السياسية عملياً عبر نقل العلاقة مع دمشق من مقاربة «أمنية» إلى مقاربة «سياسية»، وتوسيع طاولة النقاش لتشمل قضايا الحقوق السياسية، والإدارة المحلية، والتمثيل، والدستور، والحريات. وبذلك يساهم في كسر احتكار المقاربة الأمنية، وفتح مسار سياسي موازٍ، وهو شرط أساسي لأي عملية وطنية حقيقية.
كما يستطيع مسد العمل على بناء كتلة سياسية وطنية عابرة للمناطق، بالتعاون مع قوى مثل «تماسك» و«المسار الديمقراطي»، ومع شخصيات وطنية مستقلة وتيارات مدنية من الداخل والخارج، بما يفضي إلى تشكيل ما يمكن تسميته «تياراً وطنياً ديمقراطياً ثالثاً». هذا التيار قادر على طرح رؤية موحدة لشكل الدولة، وتصوّر دستوري، ومبادئ للحكم اللامركزي، وضمانات للحقوق والحريات، بما ينقل النقاش من صراع على السلطات إلى نقاش حول شكل الدولة وفصل المسار السياسي عن الإرث العسكري. فالكثير من القوى السورية تبدي تحفظات على قسد لأسباب عسكرية أو إقليمية أو أيديولوجية، لكنها في الوقت ذاته أكثر استعداداً للحوار مع مسد لكونه ذا طابع مدني، ولغته سياسية لا عسكرية، ويتحدث عن الدولة والدستور والشراكة.
وكلما تقدم مسد في لعب هذا الدور، ساهم في إعادة تعريف المناطق السورية سياسياً لا عسكرياً، ما يفتح الباب أمام انضمام قوى جديدة إلى العملية السياسية دون شعورها بأنها تنخرط في «محور عسكري».
طرح مبادرة سياسية وطنية لا مناطقية
إذا بقي مسد يتحدث فقط باسم «مناطق شمال وشرق سوريا»، سيظل لاعباً جزئياً في المشهد. أما إذا طرح مبادرة وطنية شاملة لشكل الدولة السورية القادمة، تتضمن اللامركزية لكل سوريا لا لمنطقة واحدة، وفصل السلطات، واستقلال القضاء، وحقوق المواطنة المتساوية، وحياد الجيش عن السياسة، فإنه يتحول من ممثل لمنطقة إلى شريك في صياغة مستقبل سوريا. وهو طرح من شأنه إحراج جميع الأطراف، سواء الحكومة المؤقتة في حال رفضته، أو المعارضة التقليدية إذا اكتفت بالشعارات العامة.
ويمكن لمسـد كذلك الدفع نحو مسار دستوري توافقي، عبر المبادرة إلى تشكيل منتدى أو منصة حوار دستوري وطني غير رسمي، تضم قوى من الداخل، وشخصيات قانونية، وتيارات مدنية، وقوى سياسية ناشئة، تنتج مبادئ دستورية فوق تفاوضية تقوم على أرضية مشتركة للامركزية، وتعريف واضح لعلاقة المركز بالمحليات. وحتى إن لم تُعتمد هذه المبادئ رسمياً في المرحلة الأولى، فإنها قد تتحول إلى مرجعية سياسية وأخلاقية يصعب تجاوزها لاحقاً.
وتكمن حساسية هذا الدور في حاجته إلى توازن دقيق بين الاستقلال النسبي عن القرار العسكري، وعدم الانزلاق إلى دور الوسيط التقني المحدود، واعتماد خطاب وطني جامع يركّز على شكل الدولة وحقوق جميع السوريين، وعلى عقد اجتماعي جديد، بدل الاكتفاء بمكاسب مناطقية أو فئوية.
في المحصلة، يستطيع مسد أن يكون المحرّك السياسي للمرحلة القادمة إذا نجح في لعب دور الجسر بين القوى، والحاضنة لتيار وطني ديمقراطي جديد، والمبادر إلى مشروع دستوري، والناقل للصراع من الميدان إلى السياسة، والمنقذ للمسار من اختزاله في تفاهم أمني بين قوتين. وإذا تحقق ذلك، فقد يكون أول جسم سياسي سوري بعد عام 2011 يساهم فعلياً في إعادة تعريف الدولة، لا عبر معارضة سلطة أو حمايتها فحسب، بل من خلال التفاعل الإيجابي في مشروع بنائها.
المصدر: مجلس سوريا الديمقراطية “مسد”
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd-online.com/?p=83260
مقالات قد تهمك











