بيع أراضي “الغمر” يعيد إحياء إرث “الحزام العربي” ويهدد بصدام بين المالكين الأصليين والمشترين الجدد

تتصاعد التحذيرات في مناطق الريف الشمالي لشمال شرق سوريا من تداعيات ظاهرة بيع الأراضي العائدة لما يُعرف بـ”العرب الغمر”، وسط مخاوف من تحوّلها إلى أزمة اجتماعية وقانونية معقّدة قد تتفاقم في أي لحظة، في ظل غياب حلول واضحة تعيد الحقوق إلى أصحابها الأصليين أو تنظّم عمليات الملكية الحالية.
وبحسب ما رصده نشطاء المرصد السوري، فإن هذه الأراضي تعود ملكيتها الأساسية لمالكين من أبناء المنطقة من المكوّن الكردي، جرى الاستيلاء عليها خلال عقود سابقة في إطار سياسات حكومية ارتبطت بما عُرف لاحقاً بمشروع “الحزام العربي”، حيث أُعيد توزيعها على عائلات عربية تم تهجيرها من مناطق أخرى، لا سيما عقب إنشاء سد الفرات في سبعينيات القرن الماضي.
ويُطلق اسم “الحزام العربي” على عملية التغيير الديموغرافي والتعريب التي نفذتها الحكومة السورية السابقة في محافظة الحسكة عام 1974، عبر الاستيلاء على أراضٍ زراعية تعود ملكيتها لعشائر وآغوات وفلاحين من الكرد على طول الشريط الحدودي بين سوريا وتركيا، ضمن مناطق ذات غالبية سكانية كردية، ومنحها لفلاحين عرب جرى جلبهم من محافظتي الرقة وحلب، بعد أن غُمِرت أراضيهم بمياه بحيرة سد الفرات، والذين عُرفوا لاحقاً باسم “المغمورين”.
ويمتد هذا الحزام بطول يصل إلى نحو 275 كيلومتراً، وبعمق يبلغ في أقصى نقاطه نحو 15 كيلومتراً، من مدينة المالكية شرقاً حتى مدينة رأس العين غرباً، وهي مناطق تُعرف محلياً بـ”أراضي خط العشرة”، وتُعد من أكثر المناطق خصوبة زراعياً، وكانت تقطنها عشائر كردية ترتبط بروابط اجتماعية وعائلية مع نظيراتها عبر الحدود التركية.
وتعود جذور هذه السياسات إلى مرحلة ما بعد استلام حزب البعث السلطة السابقة في سوريا، حيث تم تطبيق جملة من الإجراءات القانونية والإدارية، أبرزها قوانين الإصلاح الزراعي، بالتوازي مع نتائج إحصاء الحسكة عام 1962، الذي أدى إلى تجريد شريحة واسعة من الكرد من الجنسية، ما سهّل اعتبار أراضيهم “أملاك دولة” وإعادة توزيعها ضمن مشاريع إعادة التوطين.
كما استندت هذه السياسات إلى تصورات أمنية وسياسية طُرحت في ستينيات القرن الماضي، كان من أبرزها مشروع الضابط الأمني “محمد طلب هلال” عام 1965، الذي اقترح إقامة شريط سكاني عربي على طول الحدود السورية–التركية، وهو ما تُرجم لاحقاً بإنشاء عشرات القرى النموذجية للعرب الغمر في مناطق ذات غالبية كردية.
ووفق المعلومات، فقد مُنحت هذه الأراضي في البداية وفق صيغ “الانتفاع” أو عقود إيجار طويلة الأمد، قبل أن تصدر قرارات لاحقة تتيح تثبيت الملكية بعد مرور مدد زمنية محددة، ما أفضى إلى منح بعض المستفيدين وثائق ملكية رسمية تُعرف بـ”الطابو الأخضر”، تتيح لهم التصرف بالأراضي بيعاً وشراءً بشكل قانوني.
في المقابل، لا يزال جزء آخر من هذه الأراضي يُتداول عبر عقود بيع غير رسمية تتم عن طريق محامين وشهود، دون وجود سندات ملكية قانونية راسخة، ما يزيد من تعقيد المشهد العقاري في المنطقة.
ونقل نشطاء عن مالكين أصليين للأراضي في ريف الدرباسية أن المشكلة مرشحة للتفاقم مستقبلاً، في حال صدور أي قرارات تلغي أو تعيد النظر في سياسات التوزيع السابقة، الأمر الذي قد يضع المالكين الأصليين في مواجهة مباشرة مع مشترين جدد دفعوا أثمان هذه الأراضي بحسن نية.
وأشاروا إلى أن قطعة الأرض الواحدة قد تكون خضعت لسلسلة من عمليات البيع المتراكمة، بعضها قانوني والآخر غير موثق رسمياً، ما قد يؤدي إلى وجود عدة مدّعين للملكية على العقار ذاته.
في السياق، أفاد أحد السكان من “الغمر” بأن العديد من الأراضي معروضة للبيع، إلا أن حالة عدم الاستقرار في المنطقة تعيق إتمام الصفقات حالياً، مرجّحاً أن يؤدي ذلك مستقبلاً إلى نزاعات واسعة بين مختلف الأطراف المرتبطة بهذه الأملاك.
ويحذّر نشطاء كرد في المنطقة من استمرار عمليات البيع والشراء في ظل غياب إطار قانوني واضح أو حلول شاملة لملف الملكيات، معتبرين أن ذلك قد يؤدي إلى “انفجار نزاع اجتماعي” بين المالكين الأصليين والسكان الحاليين والمشترين الجدد.
ويؤكد المرصد السوري لحقوق الإنسان أن معالجة هذا الملف تتطلب حلولاً قانونية عادلة تضمن حقوق جميع الأطراف، وتمنع انزلاق المنطقة نحو صراعات داخلية جديدة، في ظل هشاشة الوضع الأمني والمعيشي في عموم شمال شرق سوريا.

المصدر: المرصد السوري

 

الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين

Scroll to Top