جلمورد رمز لضحايا عمليات الأنفال سيئة الصيت

فؤاد عثمان/ صحفي وناشط
٢٠٢٦/٥/٩

يستذكر شعب كردستان بحزن شديد ذكرى أنفال قرية جلمورد وسهل خالخالان التي تعتبر رمزًا لضحايا الأنفال سيئة الصيت، حيث رغم صغر حجمها ضحت هذه القرية بأكثر من 450 إنسانًا بريئًا، ذنبهم الوحيد أنهم ينتمون إلى شعب مظلوم محب للعيش بسلام.
‎ففي مثل هذا اليوم 9/5/1988 هاجم النظام البعثي الدموي، ضمن المرحلة الرابعة لعمليات الأنفال سيئة الصيت، قرية جلمورد وسهل خالخالان في حدود ناحية آغجلر التابعة لقضاء جمجمال في السليمانية، حيث تبعد حوالي ٦٠ كم عن الطريق الواصل بين كركوك والسليمانية، واقتاد أغلب أهالي القرية البالغ عددهم 550 من الرجال والشيوخ والنساء والأطفال إلى مصير مجهول، وقتلهم بدم بارد وهم أحياء في صحاري الجنوب، ولا يزال مصيرهم مجهولًا إلى يومنا هذا.
‎يروى عن شهود عيان عايشوا الجريمة، وهم من ذوي المؤنفلين، قالوا: بعد قصف قرى عسكر و كوبتةبة قبل أيام من أنفال قرية جلمورد في 3/5/1988، أخلى أهالي قرية جلمورد والقرى المحيطة قراهم خوفًا على حياتهم، متخذين كهف (بابروشة) في جبل خالخالان الواقع جنوب غرب قريتهم ملاذًا لهم. وعاشوا خلال فترة وجيزة قبل كشفهم حياة صعبة، محرومين من كل وسائل الحياة.
‎وبعد كشف موقعهم عن طريق الخونة والمرتزقة الموالين للنظام، هددت قيادة القوة المنفذة لعمليات الأنفال الرابعة في المنطقة، في 5/5/1988، أهالي المنطقة الموجودين في الكهف بضرورة تسليم أنفسهم، خلافًا لذلك سوف يتم قصفهم بالأسلحة الكيمياوية، وكون أنهم سبق وأن رأوا قصف القرى القريبة (عسكر و كوبتةبة)، وهم على دراية من همجية النظام ووحشيته، وخوفًا على أرواحهم قاموا بتسليم أنفسهم، وقام النظام باعتقال أكثر من 450 شخصًا من مجموع أهالي قرية جلمورد البالغ 550 شخصًا، بحيث لم يبقَ أحد من أكثرية العوائل.
‎تشير الإحصاءات إلى أن عدد الذين أُنفلوا في كهف بابروشة يصل إلى 1000 شخص، وهم أهالي القرى المجاورة لقرية جلمورد المؤنفلة.
‎ذوو الشهداء المؤنفلين في المنطقة لا يزالون ينتظرون بفارغ الصبر جثامين المؤنفلين المغدورين الذين لم يبقَ لهم أثر في الحياة، وعيونهم على صحراء الجنوب وآذانهم صاغية لسماع ولو خبر يكشف مصيرهم، فكلما كُشف عن مقبرة جماعية في الجنوب تفتح جروحهم مرة أخرى، ويتجدد حزنهم، وتسيل الدموع، وتنغمر أجفانهم دمًا، مطالبين بإعادة ولو قطع من عظام شهدائهم ليضمدوا بها جراحاتهم التي لا تندمل إلى الأبد.
في الوقت الذي نحيا فيه ذكرى شهداء أنفال قرية جلمورد، تغمرنا السعادة ونحن نرى مثول أحد المجرمين المتهمين بقتل وتعذيب الأبرياء، حجاج التكريتي، أمام العدالة، وهو مدان بتعامله اللاإنساني مع معتقلي سجن نكرة السلمان وارتكابه جرائم قتل عمد وتعذيب السجناء، إن دل ذلك على شيء فإنما يدل على أن الظلم لا يدوم إلى الأبد، وأن الظالمين لا بد أن ينالوا عقابهم على ما اقترفوه وإن تأخر أجلهم، كما يقال إن الله يمهل ولا يهمل، وإن القصاص آتٍ لا ريب، كما عوقب قبلهم رؤوس النظام، وفي مقدمتهم المجرم صدام وعلي الكيمياوي اللذان أدارا عمليات قتل الأبرياء، وسوف ينال كل من ساهم في جرائم الأنفال عقابه، ولا بد أن نرى يومًا مثول الخونة والمرتزقة من المستشارين ومسؤولي المفارز الخاصة الذين ساعدوا النظام في تنفيذ جرائمه، وقد أُدرجت أسماؤهم في لائحة متهمي المحكمة الجنائية العراقية العليا.
إن تعويض الضحايا مطلب لا بد أن تضعه الحكومة العراقية القادمة على عاتقها استنادًا إلى قرارات المحكمة الجنائية العراقية العليا، كما يجب العمل ببنود المادة 132 من الدستور من أجل إعانة ودعم ذوي الضحايا.
‎بقي أن نقول إذا كانت حلبجة، بكثرة عدد ضحاياها، مركزًا لضحايا القصف الكيمياوي، فإن قرية جلمورد، بصغر مساحتها وكثرة ضحاياها، تعتبر رمزًا لضحايا عمليات الأنفال سيئة الصيت.
‎كل الإجلال لدماء شهدائنا الخالدين من الأبرار الذين رووا بدمائهم الطاهرة أرض كردستان.

 

الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين

Scroll to Top