إعداد: زانیار
إذا كان بيع وشراء العبيد والجواري في التاريخ القديم وصدر الإسلام ودولتي الخلافة الراشدة والأموية نشاطاً تجارياً مشتتاً وغير منظم، فإن هذه الظاهرة شهدت تحولاً كبيراً في العصر العباسي (القرنين الثامن والتاسع الميلاديين). ففي هذه المرحلة، وتحديداً في مدينة بغداد، تحول “سوق النخاسة” من مجرد سوق بسيط إلى مؤسسة اقتصادية واجتماعية ضخمة حظيت بتنظيم غير مسبوق.
لقد جعل العباسيون من هذا السوق ركيزة أساسية من ركائز اقتصاد الدولة، وتميز بعدة خصائص فريدة ميزته عما قبله:
١. الرقابة والضرائب الحكومية (منصب القَيِّم)
لم تترك السلطة العباسية السوق لأهواء التجار، بل أخضعته لرقابتها الرسمية. حيث كان يتم تعيين شخص من قِبل الدولة يُدعى “القَيِّم” (المشرف)، وكانت مهمته الرئيسية تنظيم عمليات البيع والشراء، وفض النزاعات، والأهم من ذلك كله: جباية ضريبة محددة على رأس كل إنسان يتم بيعه. وبذلك، تحولت عمليات الغزو والسبايا الناتجة عن الفتوحات إلى مصدر مالي رسمي يرفد خزينة الدولة (بيت المال).
٢. التصنيف العرقي والقومي
اتخذ السوق طابعاً ممنهجاً وإقليمياً؛ فلم يعد البشر يُعاملون فيه مجرد “عبيد” بشكل عام، بل جرى تصنيفهم بناءً على عروقهم وقومياتهم، إذ كان لكل قومية “استخدام وسعر” محدد:
• الأتراك: كانوا يُشترون لشدتهم وبأسهم، وغالباً ما يُوجهون للجيش وحراسة القصور.
• الروم والقوميات بيضاء البشرة: كانوا يُجلبون للأعمال الإدارية، الترجمة، والخدمة داخل القصور.
• الأحباش وسود البشرة: كانوا يُستغلون غالباً في الأعمال الشاقة كالأعمال الزراعية، وخدمة المنازل والمزارع.
٣. صناعة “الجواري المثقفات والمغنيات”
الجانب الأكثر قوة وإثارة للاهتمام في سوق نخاسة بغداد كان المتاجرة بمواهب الفتيات والنساء. إذ كان التجار (النخاسون) يجلبون الفتيات السبايا ويربونهن لسنوات طويلة؛ فيعلمونهن الشعر، الأدب، الموسيقى، الغناء، وحتى الفلسفة والفقه. وكانت الجارية الموهوبة تُعد سلعة ثمينة جداً قد يصل سعرها إلى آلاف الدنانير الذهبية. ومن ثم يُسقن إلى قصور الخلفاء والوزراء ليصبحن أدوات للهو والمجالس، وفي كثير من الأحيان، كنّ يمتلكن نفوذاً وتأثيراً سياسياً كبيراً من وراء الستار.
الخلاصة
إن قراءة تاريخ “سوق النخاسة” في العصر العباسي تكشف عن حقيقة مهمة: وهي أن الظواهر السابقة (كالقتل، الغزو، وسبي النساء التي كانت لدى البدو مجرد وسيلة للبقاء وتأمين المعيشة)، قد وصلت في هذه المرحلة إلى ذروة مأسستها وتنظيمها.
فالإسلام لم يأتِ ليحرم أسواق بيع البشر، بل أضفى عليها صبغة قانونية ورسمية. وقد استغلت الدولة العباسية هذا الغطاء القانوني والشرعي لتحول تجارة الرق إلى صناعة منظمة، مصنفة، ومدرّة للضرائب. وهكذا، فإن تلك القوة والعنف اللذين كانا يُنظر إليهما سابقاً في الصحراء كـ “ظلم وغزو محض”، تحولا عبر سوق النخاسة في بغداد إلى مؤسسة اقتصادية “شرعية ومقدسة” غيرت حياة ملايين البشر وحولتهم إلى سلع على مدى قرون، وغدت جزءاً لا يتجزأ من بنية الدولة والاقتصاد الإسلامي آنذاك.
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd-online.com/?p=87632
مقالات قد تهمك










