التّرجمة في سوريا.. ثورةٌ علميّة غيّرت شكل الحضارة الإنسانيّة

أحمد عبد الرؤوف

برزت الترجمة وسيلة ناجعة في نقل العلوم والآداب والفلسفة بين مختلف الحضارات، الأمر الذي شكّل عنصر إثراء لها، وأسهم بشكل كبير بتطوير الحضارة الإنسانية حتى أصبحت الترجمة علماً متكاملاً بروّاده ونقّاده وحافظيه.

تاريخ الترجمة في سوريا

تعتبر سوريا محطّة مهمّة في حركة الترجمة، حيث نشط فيها نقل العلوم والآداب بدءاً من حضارة أوغاريت، مروراً بالترجمة السريانية واليونانية، وصولاً إلى العصر الأموي والعباسي لعبت خلالها دمشق وحلب دوراً محورياً في نقل العلوم الطبية والفلسفية، وزاد النشاط بوجود مترجمين سريان مثل “يعقوب الرهاوي”، فيما بدأت بوادر حركة الترجمة العلمية في العصر الأموي حين كلّف الأمير “خالد بن يزيد بن معاوية” جماعة من اليونانيين المقيمين في مصر بنقل علوم الكيمياء والطب والفلك إلى العربية، واتسعت الحركة بدمشق لتشمل علوم الفلسفة أيضاً.

الترجمة الأندلسية

كما ازدهرت الترجمة في الأندلس بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر الميلادي، لموقعها المتميّز كعنصر ربط حيوي في ذلك الحين بين الحضارتين الشرقية والغربية، وكانت الحضارة الإسلامية في أوج ذروتها في العلوم والطب والفلسفة والآداب، فنشط المترجمون من العرب والمستعربين من العربية إلى القشتالية واللاتينية والعكس على أيادي مترجمين عرب ويهود ومسيحيين، ممّا أسهم في نقل جميع العلوم وازدهارها على أوسع نطاق، ومن هنا تأتي أهميّة هذه المرحلة بالنسبة للترجمة على وجه الخصوص للموقع الجغرافي والتنوع الثقافي والديني والعرقي الكبير الذي يشكّل بطبيعة الحال مصدر غنى للترجمة بمختلف جوانبها، وأسهم ذلك في جعل سوريا مركزاً تنويريراً مهمّاً من باب الترجمة لموقعها الجغرافي المهم ولأنها مهد أعظم الحضارات، فأسهم المترجمون السوريون في العصر الحديث في نقل الملاحم القديمة مثل “ملحمة الرامايان” وتاريخ الشعوب، مما أسهم في بناء الجسور الثقافية، ولابد من التأكيد على أن الترجمة التنويرية لا تقتصر على نقل الكلمات، بل تهدف إلى بناء الجسور المعرفية والتاريخية، حيث شكّلت سوريا عبر تاريخها حلقة وصل حضارية، مما جعل حركة الترجمة فيها جزءاً أصيلاً من نقل المعرفة.

أبرز المترجمين السوريين

وإذا ما توقّفنا على أبرز المترجمين السوريين في العصر الحديث لابد أن نذكر المترجم “سامي الدروبي” 1921 ـ 1976، حيث يُعد من أبرز أعلام الترجمة اشتهر بترجمته الكاملة لأعمال الأديب الروسي “فيودور دوستويفسكي” من اللغة الفرنسية، بالإضافة إلى أعمال “تولستوي وبوشكين” والمترجم الموسوعي السوري اللبناني “منير البعلبكي” 1918 – 1999 الذي أسّس دار العلم للملايين، واشتهر بترجمة “البؤساء” لـ “فيكتور هوغو”، و”كوخ العم توم”، وإعداد “موسوعة المورد”، كما يمكن ذكر المفكر والناقد والمترجم الموسوعي “جورج طرابيشي” 1939 – 2016 الذي نقل بدوره مئات الكتب في الفلسفة وعلم النفس والاجتماع، وكان له دور كبير في ترجمة أعمال “فرويد وهيجل”، وإذا ما تطرقّنا إلى المترجمين المعاصرين فإن من الجدير بالذكر المترجم السوري “معاوية عبد المجيد” الذي يقيم في فرنسا، ويعتبر من أغزر المترجمين إنتاجاً في الجيل الحالي، نقل أعمالاً مهمة من الإيطالية والإسبانية، والمترجم البارز “خالد الجبيلي” الذي ترجم أكثر من خمسة وأربعين عملاً أدبياً، منها “مزرعة الحيوان” و”لوليتا”، والمؤرخ “سهيل زكار”، والكاتبة والمترجمة الرائدة “سلمى الحفار الكزبري” التي نقلت أعمالاً أدبية مميزة، والمترجمة السورية المعاصرة “ديمة ونوس” التي أضافت الكثير للترجمة من خلال تجربتها الفريدة، كما ظهر في سوريا مصطلح “الترجمان المحلّف” بهدف توثيق الوثائق الرسمية للجهات ذات الصّلة.

شكّلت الترجمة منذ ظهورها ثورة علمية وأدبية رائدة تطوّرت خلال العصور المتعاقبة، وأسهمت بتطوير الحضارة الإنسانية جمعاء، حتى تحوّلت إلى لغة خاصّة بين الشعوب التي تختلف فيما بينها بالثقافة واللغة لتكون صلة وصل حيوية ومباشرة أثراها التطور التكنولوجي القائم بشكل كبير.

صحيفة روناهي

 

الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين

Scroll to Top