المحامي محمد رشيد
في ظل التحولات السياسية التي تشهدها سوريا وبعد سنوات طويلة من الصراع والانهيار المؤسساتي تبرز الحاجة إلى عملية سياسية وطنية حقيقية تؤسس لدولة ديمقراطية عادلة تضمن حقوق جميع السوريين دون استثناء. ومن هذا المنطلق جاء موقف حزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا واضحاً تجاه انتخابات البرلمان السوري حيث قرر الحزب عدم المشاركة في هذه العملية بسبب الآليات غير الديمقراطية التي قامت عليها، سواء من حيث التعيين أو ضعف التمثيل الحقيقي للمكونات السورية وفي مقدمتها الشعب الكردي.
إن المشاركة في أي مؤسسة سياسية يجب أن تكون قائمة على أسس الشرعية الشعبية والتمثيل العادل، لا على ترتيبات شكلية قد تُستخدم لاحقاً لإضفاء شرعية على قرارات تمس مستقبل البلاد وحقوق مكوناتها القومية. ولذلك فإن حزب الوحدة الديمقراطي الكردي يرى أن تمرير هكذا برلمان في ظل غياب الحوار والتوافق الوطني والدستور الديمقراطي قد يؤدي إلى إنتاج سياسات جديدة تعيد تكريس التهميش والإنكار بحق الشعب الكردي في سوريا.
وفي الوقت ذاته، فإن عدم المشاركة في انتخابات البرلمان لا يعني الانسحاب من الحياة السياسية أو التخلي عن المسؤولية الوطنية بل إن الحزب مستمر في انخراطه بالعمل السياسي إلى جانب القوى الوطنية والديمقراطية انطلاقاً من رؤية تستند إلى استقلالية القرار الكردي السوري وإلى ضرورة بناء شراكة وطنية حقيقية قائمة على الاعتراف المتبادل بين جميع المكونات.
إن القضية الكردية في سوريا لا تختصر فقط بمسألة حقوق المواطنة الفردية رغم أهمية هذه الحقوق وإنما هي أيضاً قضية شعب وجماعة قومية لها وجودها التاريخي والجغرافي والثقافي على أرضها. فالشعب الكردي لم يكن جالية طارئة أو أقلية مهاجرة بل كان جزءاً أصيلاً من نسيج المنطقة قبل نشوء الدولة السورية وقد وجد نفسه ضمن حدود سياسية جديدة فرضتها اتفاقية سايكس ـ بيكو وتقاسم النفوذ في المنطقة. ورغم ذلك اختار الكرد العيش المشترك مع جيرانهم ضمن إطار هذه الدول على أمل بناء أوطان تقوم على الشراكة والعدالة والمساواة لا على الإقصاء والإنكار.
ومن هنا، فإن أي حل سياسي حقيقي في سوريا يجب أن يعترف بالشعب الكردي بوصفه مكوناً قومياً أساسياً له حقوق سياسية وثقافية وقومية جماعية وليس فقط أفراداً يتمتعون بحقوق مدنية عامة. فالمسألة الكردية تتعلق بالهوية واللغة والثقافة والإدارة السياسية والمشاركة الحقيقية في صنع مستقبل البلاد ضمن إطار سوريا موحدة ديمقراطية تعددية.
ويرى حزب الوحدة الديمقراطي الكردي أن العملية السياسية السورية منذ سقوط نظام الاستبداد لم تُدار بالشكل الصحيح إذ كان من المفترض البدء بحوار وطني شامل يضم جميع القوى والمكونات السورية ومن ثم تشكيل حكومة انتقالية مؤقتة منبثقة عن الحوار الوطني وتتولى إنشاء جمعية تأسيسية دستورية تضع أسس الدولة الجديدة وتحدد شكل النظام السياسي اللامركزي، وتضمن حقوق كافة المكونات القومية والدينية والثقافية.
كما أن تحقيق العدالة الانتقالية يبقى ضرورة وطنية لا يمكن تجاوزها سواء عبر محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات أو من خلال معالجة آثار السياسات العنصرية التي مورست بحق الشعب الكردي لعقود طويلة وفي مقدمتها مشاريع التعريب والتغيير الديمغرافي والتهجير القسري وحرمان مئات الآلاف من الجنسية وهي سياسات تركت آثاراً عميقة على المجتمع الكردي في سوريا.
إن مستقبل سوريا لا يمكن أن يبنى عبر إعادة إنتاج مؤسسات شكلية أو تجاهل القضايا الجوهرية للمكونات الوطنية بل عبر مشروع ديمقراطي حقيقي يؤسس لدولة المواطنة والشراكة والاعتراف بالتنوع القومي والثقافي. ومن هذا المنطلق سيواصل حزب الوحدة الديمقراطي الكردي نضاله السياسي السلمي دفاعاً عن حقوق الشعب الكردي وعن مستقبل سوريا الحرة الديمقراطية التي يتساوى فيها الجميع بالحقوق والواجبات دون إنكار أو تهميش لأي مكون من مكوناتها التاريخية.
الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين
رابط مختصر للمقالة: https://kurd-online.com/?p=88184
مقالات قد تهمك










