دانية الشماس
في زمنٍ لم تكن فيه الحياة تعرف الإنترنت، ولا الهواتف الذكية، ولا المولات، ولا خدمات التوصيل، ولا المدارس الأهلية، ولا الدروس الخصوصية، ولا أسماء الماركات التي أصبحت اليوم جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية؛ كانت العائلات العراقية تعيش بإمكانات محدودة، لكنها كانت تعرف كيف تجعل القليل كافيًا.
كان راتب الأب بسيطًا، ومع ذلك كان البيت قد يضم ثمانية أو تسعة أبناء، وربما أكثر. من راتب واحد تُؤمَّن حاجات الأسرة، وتُدفع مصاريف الدراسة، ويُشترى الطعام والملابس، ويُدبَّر البيت شهرًا بعد آخر.
لم تكن هناك قائمة طويلة من المطالب التي نعرفها اليوم.
لم يكن الطفل يحتاج إلى هاتف حديث لأنه رأى هاتفًا عند صديقه، ولم تكن الملابس تقاس بقيمة الماركة، ولم تكن وجبة المطعم أو طلب الدليفري جزءًا ثابتًا من ميزانية الأسرة. كانت الأم تطبخ في البيت، وكان الأب يشتري ما يستطيع، وكان الأبناء يتعلمون منذ الصغر أن الإمكانيات لها حدود.
حتى التعليم كان أبسط. المدرسة الحكومية كانت الطريق الطبيعي لمعظم أبناء العائلات، ولم تكن الدروس الخصوصية عبئًا دائمًا على ميزانية الأسرة كما أصبحت في كثير من الحالات اليوم.
وكانت المتعة أيضًا أبسط.
زيارة الأقارب، جلسة العائلة، اللعب في الحي، أو نزهة متواضعة؛ أشياء لم تكن تحتاج إلى ميزانية كبيرة، لكنها كانت تصنع ذكريات بقيت في ذاكرة جيل كامل.
أما اليوم، فقد تغيرت المعادلة.
التكنولوجيا وفّرت علينا الوقت والجهد، ووسائل الاتصال قرّبت المسافات، وتطورت الخدمات، واتسعت خيارات التعليم والترفيه. لكن في المقابل اتسعت قائمة الاحتياجات، وتحولت بعض الكماليات إلى ما يشبه الضروريات.
أصبح الهاتف ضرورة، والإنترنت ضرورة، والسيارة عند كثيرين ضرورة، والدروس الخصوصية ضرورة، والمظهر أصبح أكثر كلفة، والترفيه أصبح مرتبطًا بالمطاعم والمولات والسفر والتسوق.
وهكذا لم تعد المشكلة دائمًا في مقدار الراتب وحده، بل في حجم الحياة التي أصبحنا نحاول تمويلها بهذا الراتب.
جيل آبائنا كان يعيش وفق قاعدة بسيطة: نشتري ما نستطيع، ونؤجل ما لا نستطيع.
أما اليوم، فقد أصبح الإنسان يرى ما لدى الآخرين في كل لحظة عبر شاشته، فيشعر أن ما يملكه قليل، حتى لو كان يعيش أفضل بكثير من أجيال سبقت.
ومع ذلك، من الخطأ أن نحول الماضي إلى صورة مثالية. فقد كانت هناك صعوبات حقيقية، وحرمان، وخدمات محدودة، وفرص أقل في كثير من المجالات. لكن الفرق أن الأسرة كانت في كثير من الأحيان أكثر اعتمادًا على التعاون الداخلي، وأكثر قدرة على التكيف مع المتاح.
كان الكبير يساعد الصغير، والأخ يقف إلى جانب أخيه، والأم تدير البيت بما لديها، والأب يتحمل مسؤولية أسرة كاملة ضمن إمكاناته.
اليوم، نحن نعيش في عالم أكثر تطورًا، لكننا ندفع ثمن هذا التطور بارتفاع سقف التوقعات.
لم تعد المشكلة أن لدينا القليل؛ بل أننا اعتدنا أن نرى الكثير.
وهنا يصبح السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده:
كيف استطاع راتب بسيط أن يعيل عائلة كبيرة في الماضي، بينما يشعر كثيرون اليوم أن راتبًا أكبر لا يكفي متطلبات الحياة؟
ربما لم تكن البركة في الراتب وحده، وربما لم تكن الحياة آنذاك أسهل بكل تفاصيلها.
لكن المؤكد أن معنى “يكفيني” كان مختلفًا.
كان البيت يمتلئ بالأبناء، والمائدة تجمع الجميع، والملابس البسيطة لا تُشعر صاحبها بالنقص، والفرحة لا تحتاج إلى بطاقة مصرفية.
أما اليوم، فقد أصبحنا نملك وسائل أكثر للعيش، لكننا نحتاج إلى تذكير أنفسنا بأن التطور الحقيقي لا يعني أن تتحول كل رغبة إلى حاجة.
فربما لا نحتاج إلى العودة إلى الماضي…
بل نحتاج فقط إلى أن نستعيد منه شيئًا فقدناه: أن نعرف متى يكون ما لدينا كافيًا
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.





