م. أحمد زيبار
حين تناولنا في وقت سابق بعض مكامن الخلل التي تعاني منها الحركة السياسية الكردية في سوريا، سألني أحد المعلّقين: حسناً، ما هي الحلول؟ أليس الاكتفاء باستعراض المشكلات وحدها غير كافٍ؟ وكان محقاً في سؤاله. فالنقد، مهما كان صائباً، يفقد قيمته إذا لم يتحول إلى مراجعة تقود إلى الفعل وتجيب عن السؤال الأهم: ماذا ينبغي أن نفعل الآن؟
ومن هنا، أطرح هذه الأفكار كمحاولة متواضعة لقراءة الوضع الكردي في سوريا، وما يمكن فعله كي لا يأتي جيل جديد ويسألنا: ماذا فعلتم حين كانت الفرصة متاحة؟ فالمسؤولية، قبل غيرهم، تقع على أصحاب القرار ومن يحيط بهم، لأن القرارات التي تُتخذ في المنعطفات التاريخية تمتد آثارها إلى الأجيال القادمة.
بعد أربعة عشر عاماً من الصراع، تقف سوريا أمام حصيلة ثقيلة من الدمار والتهجير والفقر والانقسام واستنزاف الدولة والمجتمع، فضلاً عن خسائر بشرية ومادية لا يمكن اختزالها في أرقام. وفي خضم هذا المشهد المعقد، الذي تداخلت فيه العوامل السورية والإقليمية والدولية، شهدت البلاد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 تحولاً تاريخياً بوصول أحمد الشرع إلى دمشق، لتدخل سوريا مرحلة جديدة بكل ما تحمله من احتمالات ومخاطر.
وبغض النظر عن كيفية التمهيد لهذا التحول، وعن القوى التي ساهمت في إنتاجه، فقد أصبح واضحاً أن سوريا تُعاد صياغتها سياسياً، وأن الدولة السورية تقف أمام مرحلة تأسيس جديدة لم تتضح معالمها النهائية بعد. وفي هذه المرحلة تحديداً، لا يجوز للكرد أن يكونوا مجرد متلقين لما يُقرَّر في دمشق، ولا أن يكتفوا بانتظار ما تمنحه لهم موازين القوى، بل عليهم أن يسألوا أنفسهم: كيف نريد أن نكون جزءاً من سوريا الجديدة؟ وبأي أدوات سياسية؟ وبأي قرار؟ كنا نردد طويلاً أن الحل في دمشق، وها نحن اليوم في دمشق. لكن الوصول إليها لم يكن، من وجهة نظرنا، نتيجة انتصار كردي، بل جاء بعد سلسلة من النكسات والتراجعات والتحولات التي أضعفت الكثير من عوامل القوة التي كان يمكن للكرد أن يدخلوا بها إلى هذه المرحلة. وليس من الضروري هنا إعادة سرد تلك النكسات؛ فالشعب الكردي عاشها، وكل متابع للشأن السوري والكردي يعرفها.
لقد وصلت القوى الكردية الرئيسية إلى دمشق وهي تحمل إرثاً ثقيلاً من الانقسامات والاختلافات، وفي ظل تراجع واضح في القدرة على فرض الشروط. ولذلك جرت المفاوضات، في جانب كبير منها، من منطق المحافظة على ما يمكن الحفاظ عليه، وانتزاع ما يمكن انتزاعه ضمن حدود الممكن، لا من موقع الطرف الذي يملك فائض القوة.
وهذا ليس عيباً في ذاته؛ فالسياسة، في كثير من الأحيان، هي فن الممكن، والتفاوض ليس معركة شعارات، وإنما حساب دقيق لموازين القوة والفرص والمخاطر. لكن الاعتراف بهذه الحقيقة لا يعني إغلاق باب المراجعة، بل يجعلها أكثر ضرورة حتى لا نكرر الأخطاء ذاتها مستقبلاً. وهنا يطرح نفسه سؤال صعب، وربما غير مريح:
لو كان الموقف الكردي في دمشق أكثر تشدداً، ولو قيل بوضوح: لا للتنازل، وسنعود إلى أبناء شعبنا ونقاوم ونرفض المساومة، فهل كان ذلك سيخدم الشعب الكردي أكثر؟ أم أن الظروف وموازين القوى كانت ستجعل مثل هذا الموقف أكثر كلفة وأقل قدرة على تحقيق النتائج؟
ليس المطلوب أن نقدم إجابة عاطفية عن هذا السؤال، ولا أن نحاكم الماضي بمنطق النتائج اللاحقة، وإنما أن ندرسه بعقل سياسي بارد. فقيمة التجربة ليست في البكاء عليها، بل في تحويلها إلى معرفة تمنع تكرارها. وهنا نصل إلى النصف الآخر من المقولة التي طالما رددناها: الحل في دمشق، والقرار في قامشلو. لقد تحقق نصفها الأول، ولو بصورة لا ترضي كثيراً من الكرد، أو في حدها الأدنى بصورة فرضتها ظروف السياسة وفن الممكن. أما النصف الثاني، فهو الأكثر أهمية الآن: أين يُصنع القرار الكردي؟ ومن يملكه؟ ومن يمنحه الشرعية؟ فإذا كان الكرد قد وصلوا إلى دمشق وهم أقل قوة مما كانوا يتمنون، فإن استعادة عوامل القوة لا تبدأ بالتباكي على الماضي ولا بجلد الذات، وإنما بإعادة بناء البيت السياسي الكردي من الداخل.
إن سوريا اليوم على مفترق طرق، والدولة السورية تُبنى من جديد. وفي هذه اللحظة التاريخية، نعم، خسر الكرد جزءاً كبيراً من عوامل القوة، لكنهم لم يخسروا كل شيء. وما زالت أمامهم فرصة حقيقية ليكونوا شركاء فعليين في بناء الدولة السورية الجديدة، لا ضيوفاً على طاولة سياسية ولا موضوعاً للمجاملات والخطابات. وهذا يتطلب أولاً ألا نكرر الأخطاء السابقة، وأن نتوقف عند بعض الثوابت بجدية:
أولاً: الموقف الكردي الموحد ضرورة سياسية: القوة السياسية لا تُقاس بالموارد والسلاح والجغرافيا فقط، بل أيضاً بالقدرة على إنتاج موقف موحد في القضايا المصيرية. فالتعدد السياسي ليس مشكلة بحد ذاته، وإنما المشكلة حين يتحول إلى تناقض يمنع اتخاذ قرار مشترك.
ثانياً: لا يستطيع أي طرف كردي إدارة الملف منفرداً: لا قسد وحدها، ولا المجلس الوطني الكردي، ولا أي حزب أو شخصية، مهما كانت مكانتها، قادرة على احتكار تمثيل القضية الكردية. فالملف أكبر من قدرة أي طرف، ومن يعتقد بقدرته على إدارته منفرداً يضعف نفسه والآخرين.
ثالثاً: عدم تحويل حقوق الكرد في سوريا إلى ورقة في ملفات كردستان الأخرى: الارتباط بالعمق الكردستاني مهم، لكن لكل جزء من كردستان ظروفه وموازين قواه، وسياقه السياسي، والإقليمي، والدولي. لذلك ينبغي التعامل مع حقوق الكرد في سوريا وفق خصوصيتها ومصالحها، بعيداً عن المقايضات المرتبطة بملفات الأجزاء الأخرى.
والقضية الكردية في سوريا تحتاج إلى قرار كردي سوري واضح يعرف كيف يستفيد من علاقاته وعمقه الإقليمي، من دون أن يصبح أسير أجندات خارجية أو رهينة لصراعات لا يملك قرارها. ومن هنا نصل إلى الاستحقاق الأكبر: الحاجة إلى قوة سياسية كردية سورية تمثل إرادة الشعب الكردي.
هذه، في تقديري، هي اللبنة الأساسية التي لا يمكن تجاوزها. لسنا بحاجة إلى صيغة جديدة تعيد إنتاج الاصطفافات القديمة، ولا إلى تحالف مؤقت ينتهي بانتهاء ظرف سياسي معين، وإنما إلى إطار سياسي واسع، واضح الشرعية، قادر على تمثيل التنوع الكردي، ويتحدث باسم الناس لا باسم مجموعة من الأحزاب فقط.
وهنا تبرز تجربة السادس والعشرين من نيسان/أبريل، بكل ما لها من إيجابيات وملاحظات، باعتبارها تجربة يمكن البناء عليها لا تكرارها حرفياً. وإذا كانت قد أظهرت إمكانية للالتقاء حول نقاط مشتركة، فلماذا لا تكون مقدمة لخطوة أكبر: مؤتمر كردي سوري جامع؟ وهنا يبرز اسم السيد مظلوم عبدي ودوره المحتمل. والسؤال ليس فقط: هل يستطيع إدارة المرحلة الحالية؟ بل السؤال الأكبر: هل يستطيع أن ينتقل من إدارة التوازنات القائمة إلى المساهمة في صناعة إطار سياسي كردي جامع يتجاوزها؟ هذه مهمة أكبر من شخص، لكنها تحتاج إلى شخصية قادرة على جمع المتناقضات، والاستماع إلى المختلفين، والابتعاد عن منطق المحاور، وتقديم المصلحة العامة على الحسابات الحزبية الضيقة، وحسن اختيار الصف الذي يساعده في إدارة هذه العملية.
وإذا كان للسيد مظلوم عبدي أن يتقدم بهذه المبادرة، فإن نجاحها لن يكون في عقد مؤتمر واسع فحسب، بل في أن يكون مؤتمراً حقيقياً تشارك فيه مختلف التيارات السياسية الكردية، ومنظمات المجتمع المدني، والشخصيات العلمية والثقافية والاجتماعية، ووجهاء المناطق الكردية، والشخصيات المستقلة، والكفاءات القادرة على تقديم رؤية للمستقبل. فالتمثيل الحقيقي لا يُقاس بعدد الأحزاب الحاضرة، وإنما بمدى شعور الشارع الكردي بأن صوته موجود داخل هذا الإطار. وأكبر خطر يمكن أن يواجه أي مشروع سياسي كردي جديد هو أن يتحول إلى محور جديد بدلاً من أن يكون مظلة جامعة. نحن لا نستطيع تغيير الماضي، ولا استعادة الفرص التي ضاعت، ولا إعادة عقارب الساعة إلى الوراء. لكننا نستطيع أن نقرر ماذا نفعل بما تبقى من الفرص. نقد التجربة واجب، ومراجعة الأخطاء ضرورة، ومساءلة أصحاب القرار حق مشروع، لكن تحويل المراجعة إلى مرثية دائمة لن يغير شيئاً. الماضي ينبغي أن يكون مدرسة لا سجناً، ومصدراً للخبرة لا سبباً لتعطيل المستقبل.
اليوم، سوريا تُعاد صياغتها، والكرد أمام امتحان تاريخي جديد. إما أن يكون لهم دور في صياغة الدولة السورية الجديدة كشركاء حقيقيين، أو يكتفون مرة أخرى بانتظار ما تنتجه الصراعات وموازين القوى ثم محاولة التكيف معها. لقد وصلنا إلى دمشق، ولكن الوصول وحده لا يكفي. الأهم الآن أن نعرف كيف نصنع قرارنا في قامشلو.
فإذا كان الوصول إلى دمشق قد جرى في ظروف لم تكن كلها من صنعنا، فإن صناعة القرار في قامشلو يجب أن تكون بأيدينا، وبإرادة شعبنا، وبمؤسسات تمثله، وبموقف سياسي موحد يعرف ماذا يريد، وماذا يستطيع، وكيف يحافظ على حقوقه، وكيف يكون شريكاً في بناء سوريا الجديدة. وهذا هو الاختبار الحقيقي لمن هم اليوم في موقع القرار. فإذا كان نصف المقولة قد تحقق، وأصبح الكرد في دمشق، فإن النصف الذي سيحدد مصيرهم هو أن يكون القرار في قامشلو؛ قراراً موحداً، رشيداً، واسع التمثيل، وقادراً على تحويل الوجود الكردي إلى شراكة حقيقية في سوريا الجديدة. فهل ننجح هذه المرة في صناعة القرار قبل أن تفرض علينا الأحداث مرة أخرى شكل الوصول؟ هذا هو السؤال الذي ستجيب عنه الأيام، وستحكم عليه
بريمن – 26.08.2026
اكتشاف المزيد من Kurd Online
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






