الرواية الكردية في الثمانينات: نضج السرد ورمزية التمرد في أدب ياشار كمال

تكبير الصورة

ئاريان كركوكي

إن لم يُعرَف الخوف، فلن تُعرَف الشجاعة أيضاً. والجبل لا يمنح مأواه للجبناء، بل لمن يحملون في صدورهم جمرة الحرية

مقتطف استهلالي يجسد روح ملحمة حمه دوك.

مساحة إعلانية

تصميم وتطوير مواقع احترافية

نطور موقعك الإلكتروني بأعلى كفاءة، مع استشارات ممتازة لاختيار أفضل استضافة لعملك.

تُمثّل فترة ثمانينيات القرن الماضي محطة فارقة ومفصلية في مسار الثقافة والفكر الكردي؛ إذ لم تكن تلك العقود مجرد سنوات عابرة في تاريخ الشرق الأوسط النازف، بل كانت بمثابة المشعل الفكري الذي أضاء درب التحول من التعبير الأدبي التقليدي المنحصر في الشعر والقصة القصيرة إلى بناء عالم روائي متكامل يخوض في أعمق قضايا الإنسان والهوية؛ واليوم ونحن نستقرئ تلك المرحلة، يتبدى لنا بوضوح كيف تحول القلم الروائي إلى وثيقة وجودية صلبة تقاوم المحو والنسيان، وترسم ملامح الوعي الجمعي لأمة استطاعت عبر الكلمة أن تنتزع حضورها الثقافي والجمالي رغماً عن أعتى الظروف.

 

ثمانينيات القرن الماضي والعصر الذهبي لإنماء الأدب الروائي الكردي

 

تُعتبر ثمانينيات القرن العشرين، بحق، العصر الذهبي للتأسيس والإنماء الشامل للرواية الكردية؛ فبالرغم من وطأة الحروب الطاحنة والدكتاتورية القاسية والتضييق السياسي والمكاني، شهد الأدب الكردي قفزة نوعية تجلت في انتقال مركز الثقل الإبداعي من الشعر إلى الفن الروائي باعتباره الوعاء الأكثر اتساعاً لاستيعاب المأساة الكردية وتوثيق التحولات الاجتماعية وصياغة الرؤى الفلسفية المعقدة، وتزامن ذلك مع اتساع جغرافية النشر بين الداخل وأدب المهجر إذ أسهم الشتات الكردي في أوروبا، ولا سيما في السويد، في خلق فضاء حر للنشر باللغة الكردية بلهجتيها السورانية والكرمنجية ليواكب النتاجات الجريئة داخل الوطن التي وظفت الرمزية والتشفير للالتفاف على سيف الرقابة الحكومية، مما أثمر في النهاية كمالاً ثقافياً ونضجاً أسلوبياً بليغاً خرج باللغة الكردية من أطر الشفاهية والفولكلور إلى رحاب الحبكة الروائية الحديثة القائمة على المونولوج الداخلي والتحليل النفسي الرصين.

ياشار كمال وظروف تأليف حمه دوك: عمق السيرة ورمزية الملحمة

لا يمكن الحديث عن ثقافة التمرد والحرية في الأدب الكردي والشرقي دون التوقف عند قمة سامقة من قممه الخالدة وهو الروائي العالمي ياشار كمال؛ هذا الأديب الكبير الذي ولد عام 1923 في قرية حميدة بمحافظة أدنة لأسرة كردية هجرت من وان، وعاش طفولة قاسية تميزت بفقدانه إحدى عينيه في حادث أليم واستشهاده بمقتل والده داخل المسجد، وهي الصدمات الوجدانية التي صقلت حساسيته الإنسانية المبكرة وجعلته ينحاز مدى حياته للمظلومين والمهمشين. لقد كان كمال يجهر بهويته المركبة بلا خوف بعبارته الخالدة “أنا تركي من أصل كردي”، ممتلكاً رؤية كونية جمعت بين الانتماء الوجداني الصادق لجذوره الكردية وبين الارتقاء باللغة التركية إلى أعلى درجات الجمال الروائي. وقد تجلى هذا الانحياز الكوني في عمله الخالد رواية حمه دوك التي استلهم ظروف تأليفها من بيئة جبال طوروس وسهول تشوكوروفا حيث عاين بنفسه مظالم النظام الإقطاعي واستبداد الأغوات بالفلاحين الفقراء؛ وبغوصنا العميق في تحليل شخصية حمه دوك نجد أنه يمثل النموذج الأصلي للبطل التراجيدي والمتمرد النبيل الذي يبدأ كفلاح بسيط يهرب من البطش والجلد على يد الآغا الاستبدادي عبدي، ليتخذ من الجبل ملاذاً ويتحول بالضرورة لا بالرغبة إلى ثائر يحمل السلاح لا حباً في الدماء بل دفاعاً عن كرامة الإنسان وحقه الأبدي في الأرض؛ إن الرواية تتجاوز نطاق الحكاية المحلية لتصنع رمزية إنسانية وفكرية عميقة أصبحت خلال ثمانينيات القرن الماضي مصدراً لإلهام الأدباء الكرد، إذ قدمت الصارخ الأكبر بوجه الطغيان وأثبتت أن الجبل ليس مجرد تضاريس جغرافية بل هو رمز للمقاومة وصيانة الكرامة الإنسانية بوجه عسف السلطة والأغوات.

 

بين غطرسة السلطة وعدالة القلم الروائي

 

تظهر القراءة التاريخية العميقة للأدب الروائي الكردي في ثمانينيات القرن الماضي مفارقة أزلية وصراعاً ذكياً بين غطرسة الأنظمة الشمولية المتشبعة بسلطة البطش، وبين عبقرية القلم الروائي الذي امتلك أدوات التمويه والتشفير الإبداعي؛ ففي ظل ظروف سياسية وأمنية بالغة القسوة تمثلت في الرقابة الصارمة والملاحقات الأمنية للأنظمة المتسلطة في العراق وإيران، لم يكتفِ الأدباء الكرد بالانسحاب أو المواجهة المباشرة التي كانت تعني خنق النص وحظره قبل ولادته، بل ابتكروا استراتيجية سردية ملهمة تقوم على تقديم الوجه الحسن، والإيجابي، والإنساني في رواياتهم في قالب مبهم ورمزية شفافة. لقد تجلى هذا التمكن الفني في إغلاف القضايا الوطنية والوجودية المصيرية بثياب حكايات فولكلورية، أو صراعات اجتماعية وإقطاعية محلية، أو استعارات رمزية للطبيعة والجبل والقرية، مما أبعد أصل المحتوى الثوري والراديكالي للرواية عن أعين الأجهزة الأمنية والرقابية التي كانت تقرأ السطح المباشر للنص وتعمى عن عمقه التحرري؛ وهكذا استطاع الروائيون أن يمرروا رسائل الأمل، والصمود، وعدالة القضية الكردية، والتوق الأبدي للحرية والكرامة الإنسانية تحت مظلة قصص تبدو في ظاهرها إنسانية أو تراثية أو شاعريّة، محولين بذلك النص الأدبي إلى حصن حصين يحمي الذاكرة الجمعية ويغذي الوعي الفكري للأجيال دون الوقوع في فخ المقصلة الحكومية؛ فالأنظمة المتغطرسة مهما بلغت قسوتها تظل عاجزة أمام ذكاء الكلمة ومكر الأدب، لتذهب تلك الحكومات بأجهزتها الأمنية إلى طيات النسيان، وتظل الروايات الكردية التي كُتبت في عقد الثمانينات وثائق وجودية خالدة تشهد على قدرة المبدع على انتزاع نصره الثقافي والإنساني من وسط أعتى ظروف السرية والقمع..

 


اكتشاف المزيد من Kurd Online

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

× Zoomed Image
Scroll to Top