الاعتداء على العائدين الكرد مسؤولية لا يجوز التنصل منها

تكبير الصورة

مسلم شيخ حسن – كوباني

إن الاعتداء الذي تعرضت له قافلة العائدين الكرد إلى مدينة تل أبيض وما رافقه من إحراق وسائل النقل والمركبات العائدة لهم، على أيدي أفراد من العرب الوافدين إلى المدينة، وفق ما ورد في المعلومات المتداولة، خلال فترة الاحتلال التركي للمنطقة عام 2019، يثير جملة من التساؤلات الجدية حول واقع التعايش بين المكونين الكردي والعربي ومدى احترام الحقوق الأساسية للمدنيين، ولا سيما حقهم في العودة الآمنة إلى منازلهم وممتلكاتهم.

إن ما جرى لا يمكن النظر إليه باعتباره حادثة عابرة أو خلافاً محدوداً بل ينبغي التعامل معه بوصفه قضية تمس السلم الأهلي، وتهدد الثقة بين المكونات التي عاشت تاريخياً في مناطق جغرافية متجاورة، وتربطها علاقات اجتماعية واقتصادية وإنسانية. فحين تتحول عودة المدنيين إلى مدنهم وقراهم إلى مناسبة للاعتداء والترهيب وإحراق ممتلكاتهم، فإن ذلك يمثل انتهاكاً لمبدأ أساسي من مبادئ حقوق الإنسان، وهو حق الإنسان في العودة إلى منزله والعيش فيه بأمان وكرامة، بعيداً عن التمييز القومي أو الانتقام الجماعي.

ومن المؤسف أن تتجدد مشاعر الأحقاد والكراهية بين المكونات المتجاورة كلما شهدت المناطق المحيطة حدثاً أو تطوراً سياسياً أو أمنياً، بدلاً من أن تكون مثل هذه الظروف دافعاً إلى تعزيز التضامن والتفاهم والتمسك بقيم العيش المشترك. فالمشكلات السياسية والصراعات العسكرية لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لاستهداف المدنيين أو تحميل مكون اجتماعي بأكمله مسؤولية أفعال أفراد أو جهات بعينها. كما أن الدفاع عن حقوق المكون الكردي لا يتعارض مع احترام حقوق المكون العربي وسائر المكونات بل إن صون الحقوق والحريات على أساس المساواة هو المدخل الحقيقي لبناء مجتمع مستقر وعادل.

وانطلاقاً من هذا المبدأ، نؤكد ان إحراق مركبات العائدين الكرد والاعتداء على ممتلكاتهم، عمل مدان أخلاقياً وقانونياً ويتعارض مع المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان، ومع القواعد القانونية التي تحمي المدنيين وممتلكاتهم. فلا يجوز أن يكون الانتماء القومي سبباً للحرمان من الحقوق، ولا أن تصبح العودة إلى الديار مناسبة للإذلال أو التخويف أو الانتقام. إن كرامة الإنسان وحقوقه ليستا موضع مساومة، ولا يجوز إخضاعهما لمواقف سياسية أو حسابات قومية ضيقة.

وعليه، فإننا نحمل الجهات المسؤولة والمعنية العمل على كشف ملابسات ما حدث في تل أبيض وتحديد المسؤولين عن الاعتداءات، وضمان محاسبتهم وفقاً للقانون، وتعويض المتضررين عن الخسائر التي لحقت بهم، واتخاذ التدابير اللازمة لمنع تكرار مثل هذه الانتهاكات. كما نؤكد أن السلطات السورية تتحمل مسؤولية حماية حقوق المواطنين، وضمان أمنهم وسلامتهم، وصون ممتلكاتهم، وتوفير الظروف اللازمة لعودة النازحين والمهجرين إلى مناطقهم بصورة آمنة وكريمة، من دون تمييز أو تهديد.

وفي السياق ذاته، تقع على عاتق الجهات السياسية والإدارية والأمنية، إلى جانب الشخصيات الاجتماعية والثقافية والدينية والإعلامية، مسؤولية واضحة في مواجهة الخطابات التحريضية والشعارات التي تؤجج الكراهية وتزرع بذور الفتنة بين المكونين الكردي والعربي. فالصمت أمام التحريض، أو التساهل مع ممارسات التمييز، لا يسهم في معالجة الأزمات بل يهيئ الظروف لتكرارها، ويعمق الانقسامات التي يدفع المدنيون الأبرياء ثمنها.

إن مستقبل سوريا لا يمكن أن يبنى على منطق الإقصاء أو الانتقام ولا على إنكار حقوق أي مكون من مكوناتها، بل على الاعتراف المتبادل بالحقوق، والمساواة أمام القانون، واحترام التنوع القومي والثقافي، وترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية. فالكرد والعرب وسائر المكونات ليسوا أعداء بحكم هويتهم، ولا ينبغي أن تتحول خلافاتهم السياسية إلى صراعات اجتماعية دائمة بل إن مسؤولية الجميع تقتضي حماية الروابط الإنسانية، ومواجهة كل من يسعى إلى استثمار الخلافات لإشعال الفتن.

إن ما حدث في تل أبيض يستدعي موقفاً واضحاً ومسؤولاً (حماية المدنيين، ومحاسبة المعتدين، وإنصاف المتضررين، ورفض كل أشكال التحريض والكراهية). فالمصالحة الحقيقية لا تتحقق بتجاهل الانتهاكات أو طمس الحقائق، وإنما بالاعتراف بالحقوق، وتحقيق العدالة، وضمان عدم تكرار الاعتداءات. وحده القانون العادل والاحترام المتبادل، والإرادة الصادقة في التعايش، قادرة على تحويل الألم إلى فرصة لاستعادة الثقة، وحماية السلم الأهلي، وبناء مستقبل يتسع لجميع السوريين من دون تمييز أو إقصاء.

27 / 10 / 2026


اكتشاف المزيد من Kurd Online

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

× Zoomed Image
Scroll to Top