الأمة الديمقراطية: كردياً وسورياً

سيهانوك ديبو

من الخطأ عدّ قرار فسخ حزب العمال الكردستاني في 27 فبراير/ شباط العام المنصرم بالارتجالي. من يقرأ مرافعة القائد أوجلان الخامسة (القضية الكردية وحل الأمة الديمقراطية- 2010) يجدها ضمن نحو تسعين صفحة من فصل: أبعاد تحول ال PKK إلى KCK أي من العمل الكردستاني إلى اتحاد المجتمعات الكردستانية. وفي السطر الأول يحدد ذلك بشكل واضح من قوله –اقتباس- (في الصراع بين PKK و AKP فإني اختار KCK). وهذا موقف فكري ومعرفي من المقاربة بين حل القضية الكردية وتأسيس دولة قومية مركزية بالشكل الذي جرى قبل مئة عام ونيّف في المنطقة من قبل فرنسا وبريطانيا وفرضها على الشرق الأوسط بدءاً من اتفاقيات: سايكس بيكو سازانوف، ومؤتمر السلام في باريس 1920 والصلح في لندن ومؤتمر القاهرة 1921 وانتهاء بصيغة لوزان 1923، وبأنها كانت سبباً رئيسياً للصراعات والإبادة الثقافية، حان وقت تجاوز هذه النمذجة عبر نموذج في حلول ديمقراطية.
بُعيد التطورات التي حدثت في شمال وشرق سوريا (من الشيخ مقصود وأشرفية وانسحابات قوات سوريا الديمقراطية من دير حافر ومسكنة والرقة ودير الزور والطبقة إلى المناطق ذات الأغلبية الكردية؛ وصولاً إلى عقد اتفاقية 29 يناير/ كانون الثاني المنصرم) وجد البعض –من مختلف أمكنتهم ومكاناتهم- فرصة سانحة للتهجم غير المبرر على فكر الأمة الديمقراطية وتجسيدها المتمثل بالإدارة الذاتية التي لم تنتهي اللحظة رغم أنها لم تبق كما مضت؛ بل أنها تحولت وفق مضامين وروح اتفاق 29 كانون الثاني إدارياً وعسكرياً، تحوّلت وفق صيغة اللامركزية الإدارية الموسعة والحكم المحلي ذات الصلاحيات المعهودة. وهذا ليس بتبرير للأخطاء الإدارية الكثيرة والعسكرية والسياسية المرتكبة من قبل الإدارة الذاتية إنما توصيف مسؤول للمرحلة، والدعوة إلى البداية الأكثر نفعاً. وفي الوقت نفسه هو اعتراف بأن اتفاقية 29 كانون الثاني والخطوات التي سبقتها حتى اللحظة يمكن عدها بالخطوات اللازمة لكن غير الكافية. إذا لم يصبها التطوير فإنها تتيبس وتصبح بمنتهى الصلاحية.
الأمة الديمقراطية ليست فكراً قالبياً ودوغما رغم قولبته وعدم الفهم الكافي الذي ناله جراء أغلب المقاربات العملية حياله. بل هي من أكثر الأفكار المرنة التي تقبل التعايش مع أفكار أخرى قد تحمل مضامين عكسية تبدو في الظاهر وخاصة فيما يتعلق بأفكار قومية سائدة في المنطقة. في المرافعة الخامسة وعلى نحو إثني وعشرين مرة يطرح المفكر أوجلان أفكاراً تحت يافطة (بأنه يستحق التوقف والبحث فيه). في الحقيقة إحداها كانت السبب في أغوص مؤلفاً كتاب: القضية الكردية في مؤتمر القاهرة 1921: الإشكالية والأبعاد. (القاهرة شباط 1921). ليس بالمتزمت ولا بالراديكالي المُلِح؛ وإنما يطرح على الدوام ويصر على بدايات تعايش كما في مثال: (الدولة زائداً الديمقراطية). وكما في جميع المرافعات وبعد تثبيت تفاصيل المشكلة الانتقال إلى الحلول بعد خلق التمهيد لها. وسننصف أنفسنا كثيراً قبل أي جهة أخرى في تفسير ما حدث مؤخراً: بأن ابتعادنا عن المأسسة وانحرافنا عن حقيقة كونفيدرالية المؤسسات (مؤسسات تُدار عبر نفسها دون تدخل) والإدارات المجتمعية جعلت السلطة في أبهى هرمها؛ وخلق عشرات الوقائع في روج آفا/ وشمال وشرق سوريا التي حاصرت الفكرة وجعلت الديمقراطية تجزيئية وشكلية وغير متماسكة. لكن انتقادنا الذاتي هنا لا يعني أبداً بأن نؤكد ما يطلقه البعض ضد مشروع الإدارة الذاتية وفكر القائد أوجلان الذي معلوم فيه الأسباب والدوافع. لقد كان اختيارنا الطرق الثالث (ليس مع نظام الاستبداد البعثي المركزي وليس مع المعارضة التي تنفذ أجندة دول بمشاريع توسعية) طريقاً صحيحاً وموقفاً تاريخياً أدى لخلق مسار قابل للحياة رغم محاصرته ومحاولة وأده من قبل أنظمة الاستبداد المركزي التي تعترف بوجود قضية كردية بالأساس. ترجع لفكر الأمة الديمقراطية النصيب الأكبر ولأول مرة في تاريخ الشعب الكردي في سوريا فيتم تدويل القضية الكردية في سوريا عالمياً. حتى مسمى روج آفا الذي بات متعارفاً سورياً ومحلياً وعالمياً منذ ثورة 2012 يعد منجزاً للأمة الديمقراطية، وليس لأولئك المتهجمين غير المنصفين والذين يحاولون نسف الفترة الذهبية للكرد في سوريا أي في وقت الإدارة الذاتية؛ دون أن أخص لباب انتصارات وحدات حماية الشعب والمرأة وقوات سوريا الديمقراطية. دون القول بأنها غير متصلة بما سبقتها من نضالات وتضحيات قدمتها الحركة الكردية في سوريا، وما يلحقها اللحظة بالضرورة. والإدارة الذاتية بحد ذاتها كانت نتاج مشترك حالها حال تأسيس الهيئة الكردية العليا 2012، والنقاط العشرة الموقعة في مقر حزب الاتحاد الديمقراطي بالحي الغربي المتعلق بتأسيس الإدارة الانتقالية في العام 2013 بتوقيع ممثلي المجلس الوطني الكردي واتفاقية دهوك 2014، وصولاً إلى كونفرانس وحدة الموقف الكردي في 26 نيسان العام المنصرم. كما أن فكر الأمة الديمقراطية ليس في وارد إلغاء أية أفكار أخرى؛ بل إظهار سليم ومعرفي بأن المجتمع الكردي بمستطاعه تحمّل تيارين/ فكرتين أو حتى ثلاث؛ لا نقصد واقعة تفريخ الأحزاب الكردية غير المبرر إنما عن الفكرة/ القناعة. ولصاحب الأمة الديمقراطية مبادرات خلّاقة: في بداية الثمانينات مع الراحل إدريس بارزاني حول التفاهم وعقد المؤتمر الكردستاني إلى العام 2013 والمكرر ضمن الصيغة عينها والقائد مسعود بارزاني. (كان لي الشرف أن أمثل حزبي الPYD وقتها في أعمال اللجنة التحضيرية) من جانب الاقتصاد والبيئة. والطرح الحالي للقائد المفكر أوجلان بالضرورة القصوى لعقد المؤتمر الوطني الكردستاني ومراسلاته في ذلك مع الأحزاب الكردستانية. ناهيك عن العلاقة المؤسسة التي جمعت القائد أوجلان بالراحل الرئيس مام جلال طالباني، وحتى اللحظة مع نجله وعموم قيادة الاتحاد الوطني الكردستاني. ومرونة الأمة الديمقراطية تتحلى بالقدرة لنسج علاقة متوازنة مع كل فكرة وطنية ومجتمعية، وموقفها المتوازن والإسلام الحقيقي بما يحمله من ديمقراطية تؤكد قيم العيش المشترك ووحدة مصير الشعوب وأخوتها. وحتى اللحظة نجد في كل لحظة بأن فكر الأمة الديمقراطية وتجسيدها أحد أفضل المخارج الحيوية لتعزيز أمن واستقرار المنطقة، وإبعاد سوريا والمنطقة عن شبح الاقتتال على أساس المذهب أو الدين أو القومية أو العرق أو الجنس أو اللون. واتفاقية ال 29 من كانون الثاني رغم عدم قدرتنا وصفها بأنها مثالية لكنها واقعية تصلح للانطلاق نحو العموم السوري الذي يجب أن يكون نصيبها، وتقويتها وضامنها يجب أن يتحصن في العقد الاجتماعي السوري الجديد/ دستور ومرحلة انتقالية فعلية وما يلحقها من ضرورات. وكل الخطوات التي تأتت بعد سقوط نظام البعث الاستبدادي يجب أن تخضع للشمولية الوطنية وتحظى بتمثيل حقيقي وفعلي وسوري. رغم أن ظروف المنطقة الحالية وحرب المواجهة الوجودية بين اسرائيل وامريكا من جهة وجهة أخرى إيران (وكل المصفوفات/ الشركاء التابعة لطرفي الحرب) ستؤدي لنتيجة صفرية. لكن يمكن لنا عد ذلك فرصة بحد ذاتها وعدِّ ما أنجزه فكر الأمة الديمقراطية سورياً وكردياً لبنة وخطوة يعوّل عليها.
المعركة لا تنتهي حتى حصول تغيير جذري يُفقد كل امكانية لاستنبات ميكانيزم الفكرة قبل أي شيء. فالشكل الحالي ليس بالأخير؛ لا يمكنه أن يكون كذلك ضمن سياقات الصراع الحالية. وفكر أوجلان يعود إليه إحدى أهم أسباب فسخ وتعطيل حرب الإبادة الفعلية والثقافية ضد الكرد ليس فقط في سوريا؛ لجانب أسباب أخرى تتعلق بأسس الصراع المحلي كجزء من الصراعات الإقليمية والعالمية التي تحدث اللحظة. أغلب من يتهجم على أفكار أوجلان لم يقرأ سوى عناوين كتبه ومرافعاته. وبعض من قرأ يقع في فخ المقاربة على بعض من محاولة سبر مدى فعالية أفكار أوجلان لدى مقتنعيه؛ فمحاولة تعطيل الفكرة وجعلها لاغية مجرد أن مقتنعاً ما صابه الانحراف وسلك طريقاً عكس القناعة التي يُظهرها. وهذا بحد ذاته دوغما وممارسة رغبة وعاطفة لا جدوى منها ولا طائل.
الأمة الديمقراطية كفكر أوجلاني هو نقد للأفكار القائمة عن طرق حل القضايا القومية والمجتمعية في القرن العشرين وما سبق. وطالما هي فكرة نقدية فإنها تحتمل النقد، والبحث، والتوسيع: فهو نفسه من يشير في كتاباته إلى ذلك. كما أن للأوجلانية حظوظ البقاء والاستمرار أكثر بكثير من أفكار غيرها؛ لأنها تنطلق من التاريخ الذي حصل كما حصل ليس بهدف استدعائه واقفاً؛ بل لشرحه وتشريحه وبالتالي لتبيان أًصل النوع وأس الماهية: أين أخطأنا وأين أصبنا.
الأوجلانية تعي بأن للوصول إلى الهدف خطوات أصعبها هي الأولى؛ لأنها تُنسج في أجواء صعبة ومعقدة، وتُتَخَذ ضمن مقاسات عصيّة وسياقات استثنائية لا يمكن ملاحظتها من قبل العيون المحدبة أو المقعرة. أما سطوة الدلالة الآنية واستحضار فكرة تعثر النتيجة المرجوة فتزج صاحبها ومطليقها –قبل كل شيء- إلى هاوية التناقض ومرتع الأهواء، وفي أحسنها مخاتلة وتخبط عديم الفائدة.
أختتم بمحمود درويش من قصيدة (مديح الظل العالي) لصالح سموِّ الفكرة:
ما أوسع الثورة
ما أضيق الرحلة
ما أكبر الفكرة
ما أصغر الدولة.

 

الآراء الواردة في المقالات لا تعكس بالضرورة رأي صحيفة كورد أونلاين

Scroll to Top